العبادات وقوة البدن

الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، والصلاة والسلام على النبي المصطفى المختار، وعلى الآل والأصحاب الأخيار الأبرار. وبعد:

فقد عنى الإسلام بتربية الجسم وتهذيب دوافعه، ولا عجب فقد هذّب الإسلام النوازع الفطرية، وخطط لها سيرها المناسب، بحيث تظهر في مكانها المناسب الذي من أجله حدد دورها.

ومن مظاهر رعاية الإسلام بالجسم اهتمامه بالقوة الجسمانية، ذلكم أن المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف، كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كلّ خير). فالمؤمن القوى المتمتع بجسم صحيح وعقل مفكر وأخلاق حميدة ونفس راضية أقدر وأشجع في الدفاع عن دينه، وحماية وطنه، وقومه،  وأمنه من المؤمن الضعيف.

وقد وصف الحق سبحانه وتعالى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم غلاظ على الكفار متراجعون فيما بينهم، يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافق دينهم الرحمة والرأفة؛ فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].

وهكذا نجد أن الشدة في موضع، والرحمة في مواضع أخرى، فالشدة لا تأتي في موضعها إلا إذا اقترنت بالقوة النفسية والأخلاقية المناسبة لتنفيذ الشدة وممارستها.فالقوة تتضمن القوة النفسية التي تكبح جماح الغضب، والقوة الاجتماعية هي التي تقرب الناس بعضهم مع بعض، والقوة الأخلاقية التي تزين أفعالهم وأقوالهم.

ولا يجد المتأمل لآيات القرآن الكريم صعوبة في ملاحظة تفضيل الإسلام قوة الجسد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247].

وكما أورد المفسرون، رحمهم الله، أن الله اختار طالوت ملكا على بني إسرائيل، وهذا الاختيار إنما جاء لتوفر سمتين في طالوت، هما العمل الذي يتمكن به من معرفة أمور السياسة والحكم. وقوة الجسم التي تولد رهبة منه في القلوب، وتعين على مقاومة الأعداء، ومكابدة الشدائد. فالقوة الجسمانية من مقومات الشخصية المؤمنة عندما تستند إلى إيمان راسخ.

والقوة الجسمية تحتاج إلى جسم خال من الأمراض والعلل، وقد وضع الإسلام نظاما كاملا للرعاية بالبدن، وتنمية الجسم، ومن ذلك تحريم الأغذية التي فيها ضرر عليه؛ فقد حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وأجمل القرآن العظيم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].

كما أن رعاية الجسم يكون بالاعتدال في الطعام والشراب، وعدم الإسراف فيهما ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

وحفاظا على البدن، وتهذيبا للشهوات شرع الله الصوم، وجعله شهرا واحدا، ولفترة محدودة معلومة في اليوم، ونهي عن وصال الصيام، واتصال الأيام بالليالى، كما رغب في تعجيل الفطور، وتأخير السحور إلى الفجر، فللجسم حقه في الراحة من التغذية لوقت معين طوال العام، ونهي الشرع عن الوصال؛ وكونه يضعف الجسد، ويعف العبادة، وذلك أمر لا يقدره الشرع.

وليس خافيا أن العبادة في الإسلام عنيت بنظافة الجسم ونضارته وخلوه من الأمراض؛ فلو أخذنا الوضوء قبل الصلاة على سبيل المثال لوجدنا أن أثرا كبيرا في تقوية الجسم، والمحافظة عليه من الأوساخ، وغسل الأعضاء يحقق الراحة لها، وينشط الجسم، ويقويه.

 وغسل الوجه عدة مرات يؤدى إلى تقوية حركات التنفس في الجسم، ويحمى العين من الإصابة بالرمد، والاستنشاق والاستنثار يطهران فتحتي الأنف من الجراثيم التي قد تدخل في الأنف، وتتراكم حوله وعلى جوانبه.

ومن حسنات الوضوء الأخرى أنه يخفف حدة توتر الأعصاب، والغضب، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قوله صلى الله عليه وسلم (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).

وقد أمر الإسلام بالاغتسال والنظافة، وإزالة كل ما ينفر من جسم الإنسان، وعد المحافظة على ذلك سنن الفطرة، ومن ذلك تقليكم الأظافر، وقص الشارب، والاستحداد، ونتف الإبط إلى غير ذلك مما فصلته الأحاديث الشريفة، التي عدت ذلك من أمور العبادة.

ولكون أداء العبادات يتطلب نشاطا جسيما؛ فإن صحة الجسم من الأمور التي خصها الإسلام بالعناية، وأقام شرائعه على كون العبادات ليست روحية، بل يتفاعل فيها الجانب الروحي مع الجسم؛ فالحج يعتمد أساس على تحمل البدن لمشاق السفر والتنقل والزحام.كما أن القدرة على تحمل المشاق من متطلبات الجهاد في سبيل الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

ومن الدوافع الفطرية التي أولاها الإسلام عناية عظيمة حفظ النوع البشرى عن طريق الزواج المشروع، وحبب فيه، ورغب في تحقيقه، وحرم الزنا واللواط والعلاقات الغير مشروعة، التي تصيب الجسم بالوهن، وتجعل الأمراض تتسلل إليه فضلا عن كونها لا تحفظ الحياة، ولا تشبع الشهوات في إطارها الصحيح. ولنتأمل قوله تعالى، في إحدى آيات قدرته التي تحفظ الإنسان وعرضه وتجنبه الرذائل والانحلال الأخلاقي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. والحمد لله رب العالمين.

من كتاب/ الإيمان والسلوك

لفضيلة الأستاذ الدكتور / أحمد عبده عوض

 الداعية والمفكر الإسلامي

 

تسجيل الدخول