ومضات من سيرته صلى الله عليه وسلم

بعض العلماء يقولون: إن حركة النبي، مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغ في التعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، ذلك لأن أقواله تحتمل التأويل بينما أفعاله لا تحتمل التأويل، والشيء الذي يلفت النظر هو أن النبي الكريم له عند الله مهمتان قد يتبادر إلينا جميعاً أن المهمة الأولى والأخيرة هي التبليغ، والحقيقة أن المهمة الكبرى هي القدوة، ذلك أن التبليغ يحسنه أي إنسان، أي إنسان فصيح اللسان، قوي الذاكرة، عنده أسلوب قوي يبلغ، لكن الناس لا يتعلمون بآذانهم بل يتعلمون بعيونهم، الذي فعله الأنبياء يفوق حدّ الخيال لسبب بسيط هو أنهم فعلوا ما قالوا، وقد أخفق الدعاة إلى الله على كثرتهم لسبب بسيط أنهم قالوا ولم يفعلوا.

لذلك أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا يقتضي ذلك أن نعرف سيرته، ومن أبرز سيرته هجرته صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام لأن الله جعله قدوةً لنا وأسوةً حسنة ومثلاً أعلى أذاقه الله كل شيء، أذاقه الفقر حتى إذا نصح الفقراء بالصبر ذاق الفقر، دخل إلى بيته مرةً فقال: هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا، قال: فإني صائم. وذاق الغنى فسأله أحد رؤساء القبائل لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله إنه لك، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

 أذاقه القهر كما يقهر المسلمون اليوم، أذاقه القهر في الطائف فقال: يا رب إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي.

 أذاقه النصر في مكة، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم و ابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أذاقه موت الولد؛ إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وما نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. وأذاقه أن تطلق ابنته وقد طلقت إحدى بناته، أذاقه أن يشيع الناس أن زوجته التي هي أقرب الناس إليه وقعت في أثمن ما تملكه فتاة، تكلم الناس في عرضها في حديث الإفك، ذاق كل شيء ووقف من كل شيء الموقف الكامل، لذلك كان قدوةً لنا وأسوة.

 شيء آخر أيها الأخوة: الأحداث التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مقصودة لذاتها لم تقع صدفةً إنما وقعت لحكمة بالغة، ليكون الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الأحداث مشرعاً، وليظهر كمال النبوة في حركته في الحياة.

 أيها الأخوة الكرام: هذه ومضات من موقع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الدين العظيم، ولكن الهجرة ونحن في ذكراها اليوم، أنا لا أشك أن واحداً منكم لا يعرف وقائع الهجرة، إن وقائع الهجرة يعرفها المسلمون جميعاً، ولكن العبرة في شفافية الحدث، في أن تستنبط من الحدث قاعدةً تنتفع منها في حياتك اليومية، نريد أن نسقط - كما يقول بعضهم الآن - وقائع الهجرة على واقع المسلمين اليوم.

تسجيل الدخول