شيءٌ من جهاده صلى الله عليه وسلم في مكة

طباعة

ووقف في وجه دعوة رسول الله  ثلاثة أنواع من الناس: المستكبرون الجاحدون العالمون بالحق، والحاسدون المحترقون، والجهال الضالون. وكوّن هذا الثالوث جبهة عنيدة وحزباً شيطانياً لا يترك من سبيل ولا وسيلة إلا سلكها للصد عن سبيل الله، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [الصف:8].

واشتد الكرب في مكة، وضيّق الخناق على الدين الإسلامي، وائتمر المشركون بمكة أن يقتلوا رسول الله ، فقال جبريل عليه السلام: ((إن الله أذن لك يا محمد بالهجرة إلى المدينة، فلا تبت هذه الليلة في فراشك))[2]، ورصده المشركون عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد، فخرج عليه الصلاة والسلام عليهم وهو يتلو صدر سورة يس، وذرَّ على رؤوسهم التراب، وأخذ الله بأبصارهم عنه فلم يروه، وأخذهم النعاس[3]، واختبأ هو وصاحبه أبو بكر الصديق في غار ثور ثلاثة أيام حتى هدأ الطلب[4]، وفتشت قريش في كل وجه، وتتبعوا الأثر حتى وقفوا على الغار، فقال أبو بكر : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!))[5]، ولقيا الدليل بعد ثلاث براحلتيهما[6]، ويمَّما المدينة، فكانت هجرة المصطفى  نصراً للإسلام والمسلمين، حيث أبطل الله مكر المشركين وكيدهم في تقديرهم القضاء على الإسلام بمكة، وظنهم القدرة على قتل رسول الله .

قال الله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].

وقد تعرض رسول الله  للقتل غير مرة قبل الهجرة وبعدها، ذكر المؤرخون أن أبا جهل قال: واللات والعزى، لئن رأيت محمداً يسجد عند الكعبة، لآخذن حجراً ثم لأثلغن به رأسه، فأدعه خبزة، فأسلموني أو امنعوني، قالوا: والله لا نسلمك يا أبا الحكم، فجاء رسول الله  من الغد، يصلي عند الكعبة، فأخذ حجراً عظيماً، ثم تقدم وقريش في أنديتها، ثم نكص القهقرى منتقعَ اللون، يرجف، فقيل له: ما لك؟ قال: حال بيني وبينه فحلٌ من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته، أراد أن يأكلني، فقال النبي : ((ذاك جبريل، والذي نفسي بيده لو تقدم لأخذته الملائكة عضواً عضواً والناس ينظرون))[7].

وتعرض للقتل من المنافقين في غزوة تبوك[8]، ومن عامر بن الطفيل[9]، ومن فضالة في الطواف[10]، وتحت شجرة في بعض غزواته من مشرك[11]، وفي مسجده من رسول صفوان بن أمية[12]، ووُضع له السم في الذراع فأخبره[13]، وفي كل ذلك نجَّاه الله تعالى، لكمال توحيده، وتوكله على الله عز وجل، قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

وفي طريق هجرته  إلى المدينة هبّت رياح النصر إلى خارج جزيرة العرب، فقد لحق سراقة بن مالك برسول الله  يريد الفتك به، لينال جُعل قريش، مئة ناقة، فساخت قوائم فرسه في الأرض[14]، فالتفت إليه رسول الله  وقال: ((كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟!))، وأسلم وردّ الطلب عن الرسول ، وألبسه عمر سواري كسرى بعد فتح فارس[15]، تحقيقاً لقول النبوة صلى الله وسلم على صاحبها.

ونزل رسول الله  هو وصاحبه أبو بكر  المدينة، مكرماً معززاً، مؤيداً منصوراً، مباركاً ميموناً، كلٌ يود أن ينزل بيته، فبركت ناقته في مسجده هذا؛ لأنها مأمورة من الله تعالى باختيار المنزل، فاشتراه وبناه مسجداً[16] يشع منه النور إلى الدنيا كلها إلى يوم القيامة، وبنى حُجَرَ نسائه، وابتدأ عهدٌ جيد ميمون مبارك، حافل بكل نصر وتأييد للإسلام والمسلمين، وبكل عمل رشيد، وصارت الهجرة واجبة من مكة إلى المدينة في عهد رسول الله ، ومِنْ كل مكان لا يقدر المسلم فيه أن يقيم شعائر دينه، وكانت الهجرة عملاً صالحاً يتفاضل الناس بها، قال : ((الإسلام يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها))[17]، وبعد فتح مكة نسخت الهجرة منها، ولكن بقي على المسلم وجوب الهجرة من البلد الذي لا يقدر أن يقيم فيه شعائر دينه إلى البلد الذي يقدر أن يعبد الله فيه بحرية، وفي الحديث: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها))[18].