الأحكام المتعلقة بالدعاء 4

وفي هذا المقال نستكمل بفضل الله تعالى ما كنا قد شرعنا فيه من طرح الأسئلة التي تدور في ذهن الكثيرين حول الدعاء ومعها الإجابات الشافية ، فنقول وبالله التوفيق ، سألنا سائلٌ :
ما حكم رفع الأصبع فى الدعاء؟
فى الدعاء فى الصلاة بأصبع من رخص فيه:
ذهب البعض إلى جواز رفع الأصبع فى صلاته أثناء الدعاء واستدل بما يلى:
-عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : " أبصر النبى صلى الله عليه وسلم سعداً وهو يدعو بإصبعيه كلتيهما فنهاه وقال بإصبع واحد باليمنى. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8426).
-عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس فى الصلاة وضع يده على فخذه يشير بإصبعه فى الدعاء " أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8427).
-عن ابن عباس رضي الله عنه قال: هو الإخلاص يعنى الدعاء بالإصبع أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8428).
-عن مجاهد أنه قال: الدعاء هكذا وأشار بإصبع واحدة مقمعة الشيطان. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8430).
-عن عائشة رضى الله عنها قالت: إن الله يحب أن يدعو هكذا وأشارت بإصبع واحدة، أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8431).
-عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه رضى الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة ووضع إبهامة على إصبعه الوسطى ويلقى كفه اليسرى على ركبته "أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8441).
ما حكم رفع اليدين عند الدعاء ومسح الوجه بعد الدعاء؟
اختلف العلماء فى رفع اليدين عند الدعاء إلى رأيين :
الرأى الأول: أجاز البعض رفع اليدين عند الدعاء بل وجعله مستحباً من أدلته:
-عن أنس رضي الله عنه :  " أن النبى صلى الله عليه وسلم استسقى ورفع يديه وما فى السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر من لحيته " (رواه البخارى ومسلم) ورويا بمعناه عن أنس رضى الله عنه من طرق كثيرة، وفى رواية للبخارى "فرفع رسول الله الله صلى الله عليه وسلم يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله الله صلى الله عليه وسلم يدعون فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا بمطر حتى كانت الجمعة الأخرى " وذكر تمام الحديث، وثبت رفع اليدين فى الاستقساء عن النبى الله صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة غير أنس رضي الله عنه
-وعن سلمان الفارسى رضي الله عنه
 عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حيى كريم سخي يستحى إذا رفع الرجل يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين " رواه أبو داود وقال : حديث حسن (والصفر) بكسر الصاد الخالى. وعن أنس رضي الله عنه
 فى قصة القراء الذين قتلوا قال : " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
 كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم يعنى الذين قتلوهم " (رواه البيهقى بإسناد صحيح حسن)، وعن عائشة رضى الله عنها فى حديثها الطويل فى خروج النبى صلى الله عليه وسلم فى الليل إلى البقيع للدعاء لأهل البقيع والاستغفار لهم قالت : " أتى البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف وقال : إن جبريل عليه السلام أتانى فقال: " إن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع وتستغفر لهم " (رواه مسلم).
-وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : " لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبى الله صلى الله عليه وسلم القبلة تم مد يديه فجعل يهتف بربه يقول: " اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم آتنى ما وعدتنى فمازال يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه " (رواه مسلم) (قوله) يهتف-بفتح أوله وكسر التاء المثناة فوق
يقال: هتف يهتف إذا رفع صوته بالدعاء وغيره، وعن ابن عمر رضى الله عنهما " أنه كان يرمى الجمرة سبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يستقبل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستقبل ويقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الجمرة ذات العقبة ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله " (رواه البخارى).

-وعن أنس رضي الله عنه قال : " صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بكرة وقد خرجوا بالمساحى فرفع النبى صلى الله عليه وسلم يديه وقال : " الله أكبر خربت خيبر " (رواه البخارى فى آخر علامات النبوة من صحيحه).
-وعن أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه  قال: "لما فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من خيبر بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس وذكر الحديث وأن أبا عامر رضي الله عنه  استشهد فقال لأبى موسى: يابن أخى أَمَّرنِى النبى صلى الله عليه وسلم فقل له : استغفر لى، ومات أبو عامر قال أبو موسى: فرجعت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبدك أبى عامر" ورأيت بياض إبطيه ثم قال : " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك ومن الناس " فقلت: ولى فاستغفر فقال: " اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريما " (رواه البخارى ومسلم).
-وعن أبى هريرة رضي الله عنه  "أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام فأنى يستجاب لذلك" (رواه مسلم).
-وعن سهل بن سعد رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبى بكر رضي الله عنه   فقال: أتصلى بالناس فأقيم؟ فقال: نعم. قال: فصلى بهم أبو بكر رضي الله عنه  فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فى الصلاة فتخلص حتى وقف فى الصف فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت فالتفت أبو بكر  فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اثبت مكانك فرفع أبو بكر يديه رضي الله عنه   فحمد الله تعالى على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك" (رواه البخارى ومسلم).
-وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: "رأيت النبى صلى الله عليه وسلم  يدعو رافعاً يديه يقول: " إنما أنا بشر فلا تعاقبنى، أيما رجل من المؤمنين آذيته أو شتمته فلا تعاقبنى فيه" أخرجه البخارى فى الأدب المفرد رقم (610) وقال الألبانى: صحيح.

-وعن أبى هريرة رضي الله عنه  قال: " استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وتهيأ ورفع يديه وقال: " اللهم اهد دوساً وأت بهم "  أخرجه البخارى فى كتابه قرة العينين برفع اليدين فى الصلاة صـ 62 برقم (82).
-وعن جابر رضي الله عنه  "أن الطفيل بن عمرو قال للنبى صلى الله عليه وسلم: هل جابر فى حصن حصين ومنعة؟ " وذكر الحديث فى هجرته مع صاحبٍ له، وأن صاحبه مرض فجزع فجرح يديه فمات فرآه الطفيل فى المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بهجرتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن يديك؟ قال: قيل: لن يصلح منك ما أفسدت من نفسك  فقصها الطفيل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم وليديه فاغفر" ورفع يديه صلى الله عليه وسلم "  أخرجه مسلم فى صحيحه برقم (116).
-وعن على  رضي الله عنه  قال: " جاءت امرأة الوليد إلى النبى صلى الله عليه وسلم تشكو إليه زوجها أنه يضربها فقال: اذهبى إليه فقولى له كيت وكيت أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول، فذهبت ثم عادت فقالت: إنه عاد يضربنى فقال: اذهبى فقولى له كيت وكيت فقالت : إنه يضربنى فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يده فقال: " اللهم عليك الوليد " أخرجه البخارى فى كتابه قرة العينيين صـ 66 رقم (92).
-وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه حتى بدا ضبعاه يدعو لعود عثمان رضي الله عنه  أخرجه البخارى فى كتابه قرة العينيين  صـ65 رقم (90).
أما ما ورد من مسح الوجه بعد الدعاء من أدلة فمنها:
حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعاً : " إذا دعوت فادع ببطون كفك ، وإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك" رواه أبو داود من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن من حدثه عن محمد بن كعب عن ابن عباس رضى الله عنهما بلفظ "سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" قال أبو داود: روى من طرق كلها واهية، وهذا أمثلها وهو ضعيف، ورواه الحاكم من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب نحوه، وخالفه ابن حبان فذكره فى ترجمة صالح فى الضعفاء. قال: إنه يروى الموضوعات عن الثقات، وأحسن من ذلك فى الاستدلال ما رواه البيهقى من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه  فى قصة الذين قتلوا، قال: "لقد رأيته كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم"، وفيه على بن الصقر، وقد قال فيه الدارقطنى: ليس بالقوى.
واختلف هل يمسح وجهه بهماً عقب الدعاء أم لا؟ والذي رواه الترمذى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  : "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه" أخرجه الترمذى فى سننه برقم (3386) وضعفه الألبانى فيفيد أنه كان يرفعهما ويمسح بهما وجهه.
وقد أوضح العلماء صفة رفع اليدين فى الدعاء :
الرأى الأول : روى أن قول الله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )   (الإسراء : 110) نزلت فى الدعاء، وأما رفع اليدين عند الدعاء، فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت؛ لأنه من فعل اليهود، وأما رفعها إلى الله عند الرغبة على وجه الاستكانة فصفته أن تكون ظهورهما إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض. وقيل فى قول الله عز وجل: (وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) (الأنبياء : 90) أن الرغب تكون بطون الأكف إلى السماء، والرهب بطونهما إلى الأرض فإن لم يقدر على الخشوع والحضور إذ ذاك تسبب فى حصوله باستدعاء بواعثه واستجلاب دواعيه والافتقار إلى الله تعالى فى أن يمن عليه. فمن بواعثه أن يتذكر ذنوبه، وما ارتكب من قبح عمله حتى يندم على ذلك بحيث لا يصل إلى حد القنوط ويذكر الخوف مع الرجاء وسعة الرحمة، ويحسن ظنه بمولاه الكريم سيما فى هذه المواطن الشريفة ويدعو بالألفاظ اللائقة بحالة كقوله تعالى (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) (الأعراف:23) (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: 286) (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) (آل عمران: 147) إلى غير ذلك من الأدعية الواردة فى الكتاب والسنة، وهى كثيرة ويدعو لنفسه ولوالديه ولذريته ولإخوانه وللمسلمين، وليحذر من السجع فى الدعاء والتنميق فى ألفاظه، فإن ذلك ليس من الخشوع فى شئ، وهو من محدثات الأمور والمحل محل خضوع وانكسار وذلك ينافيه.
الرأى الثانى: ذهب البعض إلى كراهية رفع اليدين عند الدعاء وذلك لما ورد من أدلة:
-عن سهل بن سعد رضي الله عنه  قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهراً يديه فى الدعاء على منبر ولا غيره، ولقد رأيت يديه حذو منكبيه يدعو" أخرجه أبو داود فى سننه برقم (1105) وضعفه الألبانى.
-عن أنس رضي الله عنه  أن "النبى صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه فى شئ من الدعاء إلا فى الاستسقاء. أخرجه البخارى فى صحيحه برقم (984).
-عن جابر بن سمرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما لى أراكم رافعى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا فى الدعاء" أخرجه مسلم فى صحيحه برقم (430).
والراجح والذى تميل إليه النفس أن رفع اليدين أمر يترتب عليه مفسده فضلاً عن ورود أحاديث كثيرة تدل عليه؛ لذا فالرفع جائز ومستحب.
هل يجوز للإنسان أن يطلب الدعاء من غيره؟
يستحب طلب الدعاء من أهل الفضل، وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه  - قال: استأذنت النبى صلى الله عليه وسلم فى العمرة، فأذن  وقال: " لا تنسنا يا أخى من دعائك " فقال كلمة ما يسرنى أن لى بها الدنيا. أخرجه أبو داود فى سننه برقم (1498) وضعفه الألبانى.
هل يجوز أن يخص الإمام نفسه بدعاء؟
كره السلف والتابعون أن يخص الإمام نفسه بدعاء دون من وراءه، وهذه بعض أقوالهم:
-عن مجاهد قال: إمام القوم ضامن فلا يخص نفسه بشئ من الدعاء دونهم. أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف برقم (6532).
-عن هارون بن إبراهيم قال: قلت لابن سيرين: للإمام أن يخص نفسه بشئ من الدعاء؟ قال: لا فليدع لهم كما يدعو لنفسه. أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف برقم (6535).
-عن مجاهد قال: لا ينبغى للإمام أن يخص نفسه بدعاء من دون القوم. أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف برقم (6536).

تسجيل الدخول