الأحكام المتعلقة بالدعاء 1

يتضمن هذا المقال أسئلةً وأجوبةً تردُ على معظم ما يدور فى أذهان الكثير منا، لعل القارئ ينتفع بها، ويتعرف أحكامها قبل أن يخوض فى الدعاء حتى يتعرف ما يدعو به وما لا يدعو به وما يصح له وما لا يصح له، وما يحل له، وما يحرم عليه من دعوات، وإليك أخى المسلم هذه الأسئلة والإجابة عنها وهى:
أريد شرحاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  (الدعاء مخ العبادة) جزاكم الله خيراً.
الدعاء أساس العبادة وسر قوتها وروح قوامها؛ لأن الداعى إنما يدعو الله وهو عالمٌ يقيناً أنه لا أحدٌ يستطيع أن يجلبَ له خيراً أو يدفع عنه ضراً إلا الله جل وعلا، وهذه هى حقيقة التوحيد والإخلاص  ولا عبادة أعظم منهما.
فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: الدعاء هو العبادة . ثم قرأ : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) (رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه).
وأما لفظ " الدعاء مخ العبادة " فقد رواه الترمذى وغيره وضعفه أهل العلم.
ومخ العبادة معناه :  خالصها وسر قوتها قال المباركفورى فى تحفة الأحوذى : الدعاء مخ العبادة: المُخُ بالضم نقى العظم والدماغ وشحمة العين وخالص كل شئ، والمعنى أن الدعاء لب العبادة وخالصها لأن الداعى: إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقهما.
قال ابن العربى: وبالمخ تكون القوة للأعضاء فكذا الدعاء مخ العبادة به تتقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة.
وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) (غافر: 60) أى عن دعائى.
وعلى هذا فالدعاء هو أساس العبادة، وهذا الحديث مثل حديث : (الحج عرفة). الترمذى برقم (889) وصححه الألبانى، أى معظمة وأساسه ومثل حديث : (الدين النصيحة) مسلم برقم (55) أى لا يخرج شئ منه عنها.
فمن أكثر من الدعاء وداوم عليه أحس بلذةِ القرب من الله تعالى والصلة به والتعلق به والإخلاص له فى كل ما يعمل.
ما حكم الدعاء؟
ما عليه جمهور الفقهاء والمحدثين والعلماء أن الدعاء فى حكمه العام مستحبٌ، ومع ذلك فقد يكون واجباً.
كالدعاء الذى تضمنته سورة الفاتحة أثناء الصلاة، وكالدعاء الوارد فى صلاة الجنازة، وكالدعاء فى خطبة الجمعة عند بعض الفقهاء.
هل الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا بما سبق به القدر؟
اختلف العلماء فى كون الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا إلى آراء ثلاثة: فمنهم من قال: الدعاء عبادة لقوله صلى الله عليه وسلم  : " الدعاء هو العبادة " ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى أخرجه أبو داود فى سننه برقم (1479) وصححه الألبانى.
وقالت طائفة : السكوت تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق به القدر أولى.
وقال قـــوم: يكون الداعى صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتى بالأمرين جميعاً وهو الراجح من وجهة نظرى للجمع بين الرأيين.
ما حكم اللحن فى الدعاء؟
عن رجل دعا دعاءً ملحوناً، فقال له رجلٌ: ما يقبل اللهُ دعاء ملحوناً، وأما من دعا الله مخلصاً له الدين بدعاءٍ جائز سمعه الله تعالى وأجاب دعاه، سواء كان معرباً أو ملحوناً، والكلام المذكور لا أصل له، بل ينبغى للداعى إذا لم يكن عادته الإعراب أن لا يتصنع الإعراب، قال بعض السلف : إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع، كما يُكرهُ تكلفُ السجع فى الدعاء فإذا وقع بغير تكلفٍ فلا بأس به، فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابعٌ للقلب، ومن جعل همته فى الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه ولهذا يدعو المضطر بقلبه دعاء بما يفتح عليه، لا يحضره قبل ذلك، وهذا أمرٌ يجده كل مؤمن فى قلبه، والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية، والله سبحانه يعلم قصد الداعى ومراده، وإن لم يقوِّم بلسانه فإنه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع الحاجات.
هل يصح أن يدعو الإنسان بلا نيةٍ  ولا عمل؟
- لا يجوزُ أن يدعو الإنسان دون نيةٍ أو عملٍ ويدل عليه ما يلى : عن وهب بن منبه قال: مثل الذى يدعو بغير عمل مثل الذى يرمى بغير وتر أخرجه عبد الرازق فى مصنفه برقم (29269).
- وكان ربيع يأتى علقمة قال: ولم يكن ثمة فجاء رجل فقال: ألا تعجبون من الناس وكثرة دعائهم، وقلة إجابتهم، فقال ربيع: تدرون لم ذاك؟ إن الله لا يقبل إلا الناخلة من الدعاء، والذى لا إله غيره، لا يسمع الله من مسمعٍ ولا مراءٍ ولا لاعبٍ ولا داعٍ إلا داعٍ دعا بتثبيت من قلبه. أخرجه ابنُ المبارك فى الزهد 1/20.
-عن مالك بن الحارث عن النبى صلى الله عليه وسلم  قال: " يقول الله من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " أخرجه الترمذى فى سننه برقم (2926) وضعفه الألبانى .
هل للدعاء خصوصيةُ قبولٍ أو سرعة إجابة إذا دعى الله بملائكته أو أنبيائه أو بمكان مقدس؟
إذا قال القائل: أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك، أو بحق أنبيائك، أو بنبيك فلان، أو برسولك فلان، أو بالبيت الحرام، أو بزمزم والمقام، أو بالطور والبيت المعمور، ونحو ذلك، فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم  ولا أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان، بل قد نص غير واحد من العلماء، كأبى حنيفة وأصحابه كأبى يوسف وغيره من العلماء على أنه، لا يجوز مثل هذا الدعاء، فإنه أقسم على الله بمخلوق ولا يصح القسم بغير الله، وإن سأله به على أنه سبب ووسيلة إلى قضاء حاجته، أما إذا سأل الله بالأعمال الصالحة وبدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم  والصالحين من عباده، فالأعمال الصالحة سبب للإثابة، والدعاء سبب للإجابة، فسؤاله بذلك سؤال بما هو لنيل المطلوب، وهذا معنى ما يروى فى دعاء الخروج إلى الصلاة، اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا... أخرجه ابن ماجة فى سننه برقم (778) وضعفه الألبانى.
ويدل على ذلك قصة أصحاب الغار الواردة فى الصحيحين ينظر البخارى برقم (2208) الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة، فالتوسل إلى الله بالنبيين هو التوسل بالإيمان بهم وبطاعتهم كالصلاة والسلام عليهم ومحبتهم وموالاتهم  بدعائهم وشفاعتهم، وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضى حصول مطلوب العبد، وإن كان لهم الجاه العظيم، والمنزلة العالية بسبب إكرام الله لهم، وإحسانه إليهم وفضله عليهم وليس فى ذلك ما يقتضى إجابة دعاء غيرهم، إلا أن يكون بسبب منه إليهم كالإيمان بهم والطاعة لهم أو بسبب منهم إليه كدعائهم له وشفاعتهم فيه، فهذان الشيئان يتوسل بهما، وأما الإقسام بالمخلوق فلا، وما يذكره بعض العامة من قوله: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهى، لأن جاهى عند الله عظيم" حديث كذب موضوع. ينظر: السلسلة الضعيفة 1/76 رقم 22.
ما الساعة التى يستجاب فيها الدعاء؟
يستجاب الدعاء فى حالات :
1-حالة حضرة النداء فى الصلاة والصف فى الجهاد: عن سهل بن سعد الساعدى قال: ساعتان يفتح فيهما أبواب السماء وقلَّ داع تُرَدَّ عليه دعوته: حضرة النداء فى الصلاة، والصف فى سبيل الله عز وجل. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (29243).
2-عند آذان المؤذنين ويدل عليه: عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كان يأمر بالدعاء عند أذان المؤذنين أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (29243).
3-بين الآذان والإقامة : عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد". أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (8465)
4-عند دخول وقت الصلاة ويدل عليه عن مجاهد قال: أفضل الساعات مواقيت الصلاة فادع فيها. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (29245)
5-عند قيام الإمام إلى الصلاة حتى ينصرف منها : عن أبى بردة قال: إن الساعة التى يستجاب فيها لمن دعا يوم الجمعة حين يقوم الإمام فى الصلاة حتى ينصرف منها أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه برقم (29246)، وهناك مواضع وساعات كثيرة ذكرناها في الفصل الأول.
ما مواضع قبول الدعاء؟
لقبول الدعاء مواضع عديدة ينبغى الاعتناء بها ليعرفَ المكلف أماكنها فيتعرض لها لقوله صلى الله عليه وسلم  : "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله" أخرجه الطبرانى فى الكبير برقم (519) والأوسط برقم (2856) وضعفه الألبانى انظر حديث رقم (1917) فى ضعيف الجامع فمن جملة النفحات:
الأول: دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب.
والثانى المضطر: هو الأصل لعمومه قال الله تعالى: ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ )
 (النمل : 62)، وهذا هو لفظٌ عامٌ دون الاتصاف بصفةٍ دون أخرى وكثير من يقع له الغلط والوهم فى هذا القسم فيرى أنه مضطر فيدعو فلا يستجاب له فيقول: أنى هذا؟ فيقع له الجواب بلسان الحال: ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران : 165)  لأنه لو حصلت له حالة الاضطرار ما رد وما خيب لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد.
ومثال ذلك : ما كان أحد الصالحين يقوله مثل: من ركب فى السفينة فهو مضطر إلى ريح يمشى بها وإلى بحر هادئ قليل الآفات لكنهم مطمئنون بسفينتهم راكنون إليها وفى هذا السكون من عدم الاضطرار  ما فيه فلو جاء الريح العاصف وتحرك عليهم هول البحر لكان اضطرارهم أكثر من الأول لكنهم عندهم قوة فى أنفسهم بالسفينة التى هى سبب السلامة غالباً فلو انكسرت السفينة مثلاً، وبقى كل واحد منهم أو جماعة على لوح لاشتد اضطرارهم لكنهم يرجون السلامة لما تحتهم من الألواح، وذلك قدحٌ فى حقيقة اضطرارهم فلو ذهبت الألواح، وبقوا بعد ذلك فى لجج لا براً يرى، ولا جهةً تُقصد، ولا لوحٌ يرام أن يصعد عليه فهذه الصفة هى حقيقة الاضطرار.
فمن اتصف بهذه الصفة، وهو فى حالة الاتساع من أمره كان مضطراً حقيقة فلا يشك، ولا يرتاب فى إجابته، وما وقع الغلط إلا فى صفة التحصيل لهذه الصفة الجميلة التى أخبرنا الله تعالى بها فى كتابه العزيز.
الثالث: من مواطن الإجابة عند نزول الغيث.
الرابــع: عند الآذان.
الخامـس: عند اصطفاف الناس للصلاة.
السادسـة: عند اصطفافهم للجهاد.
السابـع: الثلث الأخير من الليل فى كل ليلة إلى طلوع الفجر.
الثامـــن:الدعاء عند المحتضر فإن الملائكة حضور يؤمنون على دعاء الداعى.
التاسـع: دعاء الصائم عند إفطاره.
العاشـر: دعاء المسافر عند سفره.
الحادى عشر: الساعة التى وردت فى يوم الجمعة قيل: هى آخر ساعة من نهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس .
الثانى عشر: يوم الاثنين وليلته.
الثالث عشر: ليلة القدر.
الرابع عشر:الدعاء من الوالدين لولدهما ودعاء الولد الصالح لوالديه.
الخامس عشر: الدعاء عند حدوث الخشوع واقشعرار الجلد والقلق وغلبة الرجاء فإن هذه المواطن كلها محل للإجابة.
السادس عشر: الدعاء باسم الله الأعظم وقد اختلف الناس فى تعيينه اختلافاً كثيراً حتى قال بعضهم: إن ذلك راجع إلى الاتصاف لحالة الإضرار كما تقدم، ومنهم من قال: إنه قوله تعالى: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163)، ومنهم من قال:  (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة : 255)، ومنهم من قال: ( الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران : 221)، ومنهم من قال: ( إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87)، ومنهم من قال: آخر سورة الحشر إلى غير ذلك، وهو كثير.
السابع عشر: يوم عرفة.
الثامن عشر: شهر رمضان.
التاسع عشر: فى السجود وبالجملة فالدعاء له أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن صادف أركانه قوى، وإن صادف أجنحته طار، وإن صادف أسبابه نجح، وإن صادف أوقاته فاز، فمن أركانه الاضطراروقد تقدم، وأجنحته قوة الصدق مع المولى سبحانه وتعالى فيما يرجوه ويؤمله منه ويخافه، وأسبابه الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم  ، وأوقاته الأسحار ولعل هذا الاختلاف حتى يجتهد الناس فيه وليس لغرض المشقة على المكلف.

تسجيل الدخول