لماذا لا يستجيب الله لي؟!

هذه فتاة تحكي معاناتها رغم التزامها بالشرع المطهر، فتقول: أبي وأمي يكرهونني؛ لأنني منتقبة، ويعيرونني؛ لأنني لست متزوجة، ولست موظفة، رغم أنني جميلة، لكن نقابي منعني من الوظيفة، فقد أمر الأمن وقتها المختصين في العمل بعدم توظيفي لأني منتقبة، فماذا أفعل؟ وما المخرج؟ أريد حلًا، علمًا أنني كلما دعوت لأحد فرَّج الله عنه، واستجاب لي إلاَّ أنا.  لقد تعبت من خدمة أبوي، والقيام على أمورهما دون شكر، وأنا مثل كل البنات أحب أن يكون لي زوج وبيت وأولاد أقوم على خدمتهم، والأشد من ذلك أن أبوي يقولان لي: يا خادمة... ماذا أفعل؟

وكان الرد عليها:

 

هناك حكمة من تأخير استجابة دعاء المسلم، يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11].

فالدعاء قد لا يجاب، ويكرره الإنسان أكثر من مرة ولا يجاب، حينئذ يحزن الداعي، ويعتقد أن الله لا يقبل منه.

نقول له: لا، ولكنك تدعو دعاء قد يكون شرًّا لك، ولو أن الله عجل لك الاستجابة لدعاء الشر لربما كان فيه هلاكك وأنت لا تدري.. ألا يدعو الإنسان أحيانًا على نفسه وعلى أولاده؟ ماذا يحدث لو أجيبت الدعوة؟!

وقال الله تعالى حاكيًا عن الكفار: {وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. ولكن الله سبحانه وتعالى الذي يعلم أن من هؤلاء الذين دعوا هذا الدعاء ومن أصلابهم سيكون هناك المؤمنون الأقوياء صادقو الإيمان الذين ينشرون هذا الدين في الدنيا كلها؛ لذلك لم يجبهم إلى دعائهم؛ لأنه عليم بما سيحمله مَن يؤمن مِن هؤلاء برسالة الإسلام إلى أقصى الأرض.

ويقول الله سبحانه وتعالى: {وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

إذن فأنت لست مقياسًا في الخير والشر، فقد تري شيئًا تحسبه خيرًا وهو شر، وتستعيذ من شيء وهو خير لك؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَيدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11].

أي: إنه يدعو ويلح في الدعاء فيما هو شر له، وأحيانًا يستجيب الله فيعرف الداعي أنه طلب شرًّا، وأحيانًا لا يستجيب الله للدعاء بالهلاك؛ لأنه خير لمن يدعونه.

وعندما قال الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء: 92]. إن الله قادر على أن يريح الدنيا من هؤلاء الكفار الذين طلبوا أن يسقط عليهم السماء فيهلكهم، ولكنه لم يفعلها حتى يزدادوا طغيانًا، ويضاعف لهم العذاب يوم القيامة.

ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11]. وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}، أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.

إذن فعدم إجابة الله لاستعجال الناس إنما يكون له حكمة؛ هي أن يبقيهم لينصر الإسلام عليهم، ويثبت لهم عجزهم، ويريهم الذلة أمام أعينهم.

ورُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول: عبدي. فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك، فهل كنت تدعوني؟ أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغمٍّ نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغمٍّ نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجًا؟ قال: نعم يا رب. فيقول: إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، فيقول المؤمن في هذا المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه"" أخرجه الحاكم في المستدرك: 1819."

وروي عنه صلى الله عليه وسلم: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة"" أخرجه الترمذي: 3479، وقال الألباني: حسن.". وروي عنه صلى الله عليه وسلم: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي" متفق عليه: أخرجه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.. أي: يمل عند ذلك ويدع الدعاء، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة.

فعلى الأخت السائلة أن تعلم أن قضاء الله كله خير، وعليها أن تصبر وتحتسب، وعليها أن تتحمل إذاء والديها لها، ولتقم بحقهما من البر والصلة والخدمة، وسيعوضها الله خيرًا مما هي فيه بإذنه ومَنِّه وكرمه.

 

 

تسجيل الدخول