كيفية التخلص من الشك في وجود الله

جاءتنى هذه الرسالة وكان نصها:

هناك إحساس يلازمني دائمًا بأنني من الكافرين، وأنني غير سعيد بإيماني، وتثور بداخلي شكوك عن الله تعالى، فأجلس مع نفسي أفكر في ذات الله تعالى، وتذهب نفسي إلى أبعد حد من التفكير السيئ، كما يراودني الشيطان لأفكر في أشياء ربما لا يصل العقل البشري إلى إدراكها، ولا أحس بأن صلاتي مقبولة، وأنني أؤديها هكذا بلا حضور قلب ولا خشوع، وأحس بأني غير طاهر دائمًا، وكما توضأت أعدت الوضوء.

ماذا أفعل يا شيخنا في هذه الوساوس التي تقدح في إيماني وتبعدني عن ربي عز وجل، وأخشى أن تكون شرًّا لي في ديني ودنياي.

 

بارك الله فيكم يا شيخنا ونفع بكم، وأحبكم ورفع ذكركم في الدين والدنيا.

 فكان الرد على ما قالته أختنا الفاضلة

ما ذُكر من جهة مشكلة الشك في الله التي تخاف من نتائجها، أقول له: أبشر بأنه لن يكون لها نتائج إلا النتائج الطيبة؛ لأن هذه وساوس يصول بها الشيطان على المؤمنين، ليزعزع العقيدة السليمة في قلوبهم، ويوقعهم في القلق النفسي والفكري ليكدر عليهم صفو الإيمان، بل صفو الحياة إن كانوا مؤمنين.

وليست حاله بأول حال تعرض لأهل الإيمان، ولا هي آخر حال، بل ستبقى ما دام في الدنيا، ولقد كانت هذه الحال تعرض للصحابة رضي الله عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، فقال: "أو قد وجدتموه؟" قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" أخرجه مسلم: 132.

وفي الصحيحين عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" متفق عليه: أخرجه البخاري: 3276، ومسلم: 134.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلى مِن أن أتكلم به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رَدَّ أمره إلى الوسوسة" أخرجه أبو داود: 5112، وقال الألباني: صحيح.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان: (والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان بوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قالت الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: "ذاك صريح الإيمان". وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به، قال: "الحمد الله الذي رد كيده إلى الوسوسة". أي: حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلوب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه، فهذا عظيم الجهاد، إلى أن قال: (ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعباد من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم؛ لأنه (أي الغير) لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه، وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة، فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله تعالى).

فأقول لهذا السائل: إذا تبين لك أن هذه الوساوس من الشيطان فجاهدها وكابدها، واعلم أنها لن تضرك أبدًا مع قيامك بواجب المجاهدة والإعراض عنها، والانتهاء عن الانسياب وراءها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم" متفق عليه: أخرجه البخاري: 2528، ومسلم: 127.

وأنت لو قيل لك: هل تعتقد ما توسوس به؟ وهل تراه حقًّا؟ وهل يمكنك أن تصف الله سبحانه به؟ لقلت: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولأنكرت ذلك بقلبك ولسانك، وكنت أبعد الناس نفورًا عنه، إذن فهو مجرد وساوس وخطرات تعرض لقلبك، وشباك شرك من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ليرديك ويلبس عليك دينك.

ولذلك تجد الأشياء التافهة لا يلقي الشيطان في قلبك الشك فيها أو الطعن، فأنت تسمع مثلًا بوجود مدن مهمةٍ كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب، ولم يخطر ببالك يومًا من الأيام الشك في وجودها أو عيبها بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكنى، وليس فيها ساكن ونحو ذلك؛ إذ لا غرض للشيطان في تشكك الإنسان فيها، ولكن الشيطان له غرض كبير في إفساد إيمان المؤمن، فهو يسعى بخيله ورجله ليطفئ نور العلم والهداية في قلبه، ويوقعه في ظلمة الشك الحيرة.

فإذا انتهى الإنسان عن ذلك واستمر في عبادة الله طلبًا ورغبة فيما عند الله زال ذلك عنه بحول الله، فأعرض عن جميع التقديرات التي ترد على قلبك في هذا الباب، وها أنت تعبد الله وتدعوه وتعظمه، ولو سمعت أحدًا يصفه بما توسوس به لقتلته إن أمكنك، إذن فما توسوس به ليس حقيقة واقعة بل هو خواطر ووساوس لا أصل لها.

ونصيحتي لك تتلخص فيما يأتي:

1- الاستعاذة بالله، والانتهاء بالكلية عن هذه التقديرات كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

2- ذكر الله تعالى، وضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس.

3- الانهماك الجدي في العبادة والعمل امتثالًا لأمر الله، وابتغاء لمرضاته، فمتى التفت إلى العبادة التفاتًا كليًّا بجدٍّ وواقعية نسيت الاشتغال بهذه الوساوس إن شاء الله.

4- كثرة اللجوء إلى الله والدعاء بمعافاتك من هذا الأمر.

أما ما تعانيه من شعور تجاه نفسك أنك غير صادق في صلاتك، وأن صلاتك لذلك غير مقبولة، إن هذا كله من كيد الشيطان الذي توعد بأن يقعد على طرق الخير، والأعمال الصالحة ليصد المؤمنين عنها، قال تعالى حاكيًا قوله: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16].

غير أن الله لم يجعل له من سبيلٍ على عباده إلا بالوسوسة، وقد علمنا وبيَّن لنا الله سبحانه سبيل دفعها، والتخلص منها، ألا وهو بذكر الله عمومًا، والاستعاذة بالله من الشيطان خصوصًا، ومن أنجع الوسائل لاتقاء وسوسة الشيطان -مع الاستعاذة والذكر- هو عدم الاسترسال مع الوساوس، وعدم الالتفات إلى ما يلقيه الشيطان، فإن ذلك مما يعين على إضعاف تأثيره على المرء.

أما قولك بأنك تفكر في الاستغناء عنها، فإن هذا هو عين ما يريده الشيطان منك ويسوقك إليه، فلو طاوعته وقد علمت عداوته وإرادته الشر بك، لوقعت في شر من الوسوسة -التي هي إخلال بالصلاة- ألا وهو ترك الصلاة بالكلية.

فالواجب عليك هو الكف عن مثل هذه الوساوس، وعدم التفكير فيها، فهي من وحي الشيطان وتلبيسه، وأقْبِل على صلاتك بخشوع، داعيًا الله حسن العمل، وحسن القبول، وكن واثقًا أنك إذا فعلت ما عليك من الأعمال الظاهرة والباطنة التي تقدر عليها، فإن الله سيقبل منك عملك، ولا يضرك كيد الشيطان.

اللهم هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وافتح لنا من الطاعة والإيمان والاستقامة الأبواب، ولا تجعل بيننا وبين الحق والهدى حجاب، إنك أنت المنعم الكريم الحليم الوهاب.

 

تسجيل الدخول