آداب تلاوة القرآن الكريم

القرآن الكريم هو حياتنا، وترياق النجاة لكل شخصٍ يتشبث بأسباب النجاة من عذاب الله، وقد حث الله تعالى على قراءة القرآن الكريم وتدبره.

وفى هذا المقال : يسرد فضيلة الأستاذ الدكتور/أحمد عبده عوض أهم الآداب التى ينبغى على المسلم التحلى بها عند قراءته لكتاب الله،وذلك في كتابه  البَيانُ في تِلاوةِ القُرآِن" قواعدُ الأداءِ والتَّجويد"، وفيه يقول:

 

إذا أردت أيها المسلم أن تكون ممن يرتل القرآن ترتيلاً، وممن يتلوه حق تلاوته، فاحرص على آداب التلاوة التى وردت فى الكتاب والسنة، وهى آداب عامة تشمل قارئ القرآن، والمستمع إليه، ومعلمه، ومتعلمه ، ويمكن إجمالها فى الأمور التالية:


1-التدبر والخشوع:


قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29].
وقال سبحانه: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24].
فمن حق القرآن عليك أيها المسلم أن تقرأه بخشوع وسكينه، وأن تفتح قلبك لتدبر معانيه، وهذا هو المقصد المطلوب من تلاوة القرآن الكريم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، كما يستحب البكاء والخشوع عند التلاوة، وهذا هو شأن الصالحين.
قال الإمام السيوطى: "يستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكى لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع، قال تعالى: { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء:109].
وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم: "اقرأ علىَّ القرآن فقلت: يا رسول الله: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية قال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}[النساء:41]، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان." رواه البخارى، ومسلم.

ولقد بين ربنا سبحانه شأن القرآن الكريم  فقال عزوجل:{ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}[الحشر: 21].


ووصف تأثر المؤمنين الصالحين، وخشوعهم عند تلاوة القرآن الكريم فقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}[الأنفال:2].
وقال سبحانه: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه}[الزمر:23].
وقال سبحانه: { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}[مريم:58]
فهذا هو حال المؤمنين الصالحين عند تلاوتهم للقرآن، طمأنينة النفوس، واقشعرار الجلود، ووجل القلوب، ودمع العيون.. وعليك أيها المسلم أن تستشعر خشية الله فى قلبك، وتستجلب الدموع، والخشوع أثناء تلاوتك لكتاب ربك.


وقد نقل الإمام النووى عن الإمام الغزالي رحمهما الله تعالى قوله:
(البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقة تحصيله أن يحضر فى قلبه الحزن، بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره فى ذلك، فإن لم يَحْضُرْهُ حزن وبكاء، فليبك على فَقْدِ ذلك فإنه من أعظم المصائب).
ولا شك أن مما يزيد الخشوع التفكر فى المعانى، والتأنى وعدم الإسراع فى التلاوة، وتفريغ الذهن من المشاغل والهموم.
روى مسلم عن حذيفة قال:
"صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلى بها فى ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ" رواه مسلم.

هكذا كانت تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقرأ مترسلاً، والترسل ترتيل الحروف وإعطاؤها حقها، ومع أنه قرأ فى ركعة واحدة أكثر من خمسة أجزاء من القرآن الكريم، إلا أنه لم يسرع فى تلاوتها، وكلما مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه.
وقد كانوا يكثرون من تكرار بعض الآيات للتدبر، ويمضون فى ذلك ساعات عديدة، وهم فى خشوع وبكاء، وإليك بعض الروايات التى أوردها الإمام النووى فى هذا المقام:
عن أبى ذر قال:"قام النبى صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح، وهى قوله تعالى:
{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}(المائدة:118). رواه النسائى.


وعن تميم الداري أنه كرر هذه الآية حتى أصبح:
{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} (الجاثـية:21).
وعن عبادة بن حمزة قال: دخلت علىَّ أسماء ـ رضى الله عنها ـ وهى تقرأ: { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}[الطور:27] فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال علي ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتى، ثم رجعت وهى تعيدها وتدعو).
وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}[الزمر:16]. يرددها إلى السَحَر.

2-تحسين الصوت بالقرآن:
الصوت الحسن يحدث أثراً فى النفس، ويزيد الخشوع والتدبر؛ ولذلك يستحب للقارئ أن يحسن صوته بتلاوة القرآن الكريم، وأن يرتله بلحن يدل على الخشوع والتأثر.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أذن الله لشيء كما أذِنَ لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". رواه البخارى، ومسلم.
ومعنى أذن: استمع، وهو إشارة إلى الرضا والقبول..
وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له: لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة، قد أوتي مزماراً من مزامير آل داود" رواه مسلم،
فقد مدح الرسول حسن الصوت وحلاوة نغمته.
وعن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" رواه أبو داود.
وعن أبى لبابة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا".  رواه أبو داود، وأحمد.


ولقد كان السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يحرصون على تحسين الصوت بتلاوة القرآن الكريم زيادة فى الخشوع والتدبر.
ومن هؤلاء مثلاً الإمام القارئ (يحيى بن وثاب) المتوفى سنة (103هـ) وقد قال عنه الأعمش: (كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءةً، ربما اشتهيت أن أقِّبل رأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ لا تسمع فى المسجد حركة، كأن ليس فى المسجد أحد).
وكذلك الإمام (حمزة بن على) المتوفى سنة (602هـ) وقد قال عنه ابن النجار: (أكثرت عنه ولازمته، وكان موصوفاً بحسن الأداء، وطيب النغمة، يقصده الناس فى التراويح، ما رأيت قارئاً أحلى نغمة منه، ولا أحسن تجويداً، مع علو سنه، وانقطاع ثنيته).


وقد قال الإمام النووى رحمه الله تعالى: (أجمع العلماء ـ رضى الله عنهم ـ من السلف والخلف، ومن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن.. مالم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفاه فهو حرام).
ومن هنا نؤكد على أن اللحن المطلوب هو الذى لا يخرج لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه، أو قصر ممدود، أو مد مقصور، أو تمطيط يختل به اللفظ ويلتبس المعنى.
كما نحذر من تقليد الألحان التى تعارف عليها أهل الفسق من محترفى الغناء، فالمستحب تحسين الصوت وتحزينه وترقيقه بقصد التأثر والخشوع، لا بقصد الترنم والطرب.

3-الطهارة والنظافة:
يشترط لقارئ القرآن أن يكون طاهراً من الحدث الأكبر، فلا يجوز للجنب والحائض والنفساء قراءة القرآن أو إمساك المصحف.
قال الإمام النووى رحمه الله تعالى: (أما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كانت آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به، ويجوز لهما النظر فى المصحف
وإمراره على القلب).
لكنه استثنى من هذا الحكم القراءة بقصد الذكر، كأن يقرأ الجنب أو الحائض دعاء السفر، وفيه قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ (الزخرف:13) أو يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وغير ذلك، أما اشتراط الوضوء، فالراجح أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء لقوله تعالى:{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:77-79].
ولحديث عمرو بن حزام أن النبى صلى الله عليه وسلم  كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وفيه: "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه الحاكم.
فإذا قرأ دون أن يمس المصحف فلا يشترط له الوضوء لكن يستحب.
كما يستحب أن تكون القراءة فى موضع نظيف، وأن ينظف القارئ فمه بالسواك، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم  إذا قام من الليل للتهجد، فإنه يستاك فمه بالسواك، أى يُدلك أسنانه وينظفها.

4-الاستماع والإنصات:
أمرنا الله سبحانه بالإنصات عند تلاوة القرآن إعظاماً له واحتراماً فقال تعالى: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الأعراف:204]. والإنصات هو السكوت والإصغاء.
ولقد كان المشركون يتعمدون رفع أصواتهم باللغو للصد عن سماع القرآن ظناً منهم أنهم يمنعون تأثر الناس بآياته وبلاغته، واستجابتهم للإيمان به.
قال تعالى مخبراً عنهم: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26].
أما المؤمنون الصالحون، فإنهم يخشعون عند سماع القرآن، وينصتون بتدبر وتأثر. قال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ}[المائدة:83].
فالآية الواحدة من كتاب الله حينما تستمع وتنصت لها، فتحدث فى النفس تأثيراً وانفعالاً، وتبعث الطمأنينة والراحة. ولذلك كان من الأدب مع القرآن الكريم، الاستماع له والإنصات عند تلاوته، وعدم الانشغال بأى أمر آخر يصرف قلبك أو جوارحك عن تدبر آياته.

وكذلك عدم الضحك عند قراءة القرآن الكريم أو عند استماعه؛ لأن الله عز وجل عاب على الكافرين هذا الفعل فقال جل شأنه: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} [النجم:59،60]
ومما ينبغى التنبيه عليه فى هذا المجال تجنب رفع الصوت فى قراءة القرآن فى مواطن اللغو واللغط، والأماكن التى ينشغل فيها الناس بأعمالهم وتجارتهم، ففى ذلك إحراج لهم لعدم تمكنهم من الاستماع إليه، كما ينبغى مراعاة ظروف السامعين واختيار الأوقات، والأماكن المناسبة لذلك، بحيث تكون نفوسهم أكثر استجابة وتأثراً، واستعداداً للاستماع والإنصات.
هذه هى بعض الاداب التى ينبغى على قارئ القرآن ان يتحلى بها قبل الشروع في تلاوة آيات الذكر الحكيم ، جعلنا الله وإياكم من المتأدبين مع الله وكتابه ورسوله .

 

 

تسجيل الدخول