تفسير سورة البقرة الآيات 50-59

التفسير الموضوعي 

تفسير سورة البقرة الآيات من 50 إلى 59

 

قال تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون(52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ(59)} [البقرة:50-59].

 

طبائع اليهود

تتناول هذه الآيات طبائع اليهود، وتبين حقيقتهم للعيان، وهذا للاعتبار من قصتهم، ومعرفة كيفية التعامل معهم

المتتبع - حينما يقلب كتاب الله العزيز - يجد أن الله تعالى يرسم صورا عديدة ودقيقة توضح طبائع وصفات الشخصية اليهودية. فلقد احتوت آيات القرآن الكريم على العديد من الصفات الشخصية , والنفسية , والأخلاقية التى تصف هذه الفئة من البشر، والتى تعكس غضب الله ولعنته على هؤلاء، من أهمها إنكار النعم ، والكذب على الله ، وحبهم لسماع الكذب، والتمرد على الرسل، ونقض العهود، وقسوة القلب، والجدال والمراء، وكتمان الحق، وإيثار المنفعة الشخصية، وحب الإفساد بين الناس، والمسارعة إلى الإثم والمعصية، والجبن والتخاذل وعدم الأدب فى الخطاب.

 آيةُ فَرْقِ البحر

قبل هذه الآيات ذكّر الله بنى إسرائيل ببعض نعمه عليهم، وفى كل مرة كان يفتتح بقوله: "وإذ" فالمجال دائما للتذكير.

قوله تعالى : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ} لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بين ذلك فى مواضع أخر كقوله : { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) } [الشعراء: 63-67] ، وقوله : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)} [طه: 77-80] . 

قوله تعالى : {وأغرقنا آل فرعون} لم يبين هنا كيفية إغراقهم ولكنه بينها فى مواضع أخر كقوله : { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِى رَبِّى سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67)} [الشعراء: 60-67]. 

مشهد النجاة بعد مشاهد العذاب

فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب. 

وقد وردت تفصيلات هذه النجاة فى السور المكية التى نزلت من قبل، أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة، سواء من القرآن المكي, أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة، إنما يذكرهم بها فى صورة مشهد, ليستعيدوا تصورها، ويتأثروا بهذا التصور, وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر، ونجاة بنى إسرائيل بقيادة موسى - عليه السلام - على مشهد منهم ومرأى ! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآنى العجيب. 

ومعنى قوله : (فرقنا بكم) : فصلنا بكم البحر؛ لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، ففرق البحر اثنى عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر، وفصله بهم، بتفريقهم فى طرقه الاثنى عشر.

عن السدى : لما أتى موسى البحر كناه " أبا خالد " ، وضربه فانفلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل، وكان فى البحر اثنا عشر طريقا فى كل طريق سبط.

وقوله: وأغرقنا آل فرعون أى جنده وأنصاره، ولم يذكر فى هاته الآية غرق فرعون؛ لأن محل المنة هو إهلاك الذين كانوا المباشرين لتسخير بنى إسرائيل وتعذيبهم والذين هم قوة فرعون، وقد ذكر غرق فرعون فى آيات أخرى.

يوم النجاة

ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذى كان ذلك فيه، فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما هذا اليوم الذى تصومونه) فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.

وأخرجه البخارى أيضا عن ابن عباس ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ((أنتم أحق بموسى منهم فصوموا)) . 

 

وذكر أبو بكر بن أبى شيبة عن قيس بن عباد أن بنى إسرائيل قالت: ما مات فرعون ، وما كان ليموت أبدا، قال: فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل، فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا فى النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى، اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى ، وقال: (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }[الأعراف : 140] ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التى كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة فى أيدى الجبارين قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين، فلو أنك تركتنا فى يد فرعون كان خيرا لنا.

 قال: ياقوم (ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم) إلى قوله (قاعدون) حتى دعا عليهم وسماهم (فاسقين) فبقوا فى التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام على ما يأتى بيانه، ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة، فاتخذوا العجل، ثم قيل لهم:  قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا، فقالوا: إنه آدر، فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بنى إسرائيل وموسى على أثره عريان وهو يقول: يا حجر ثوبى فذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)} [الأحزاب: 69].

 ثم لما مات هارون قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه، ثم سألوه أن يعلموا آية فى قبول قربانهم، فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم، ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا فى الدنيا، فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب (عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك (يسميه له ومن أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه، ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم . 

سوءُ أخلاقِ اليهود 

فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم فى دينهم وسوء أخلاقهم

وقال الطبري: وفى أخبار القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المغيبات التى لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا فى حق بنى إسرائيل دليل واضح عند بنى إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . 

قوله {وأنتم تنظرون} جملة حالية من الفاعل وهو ضمير الجلالة فى فرقنا وأنجينا وأغرقنا، وهذا الحال زيادة فى تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضا نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيمانا وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد . 

{وأنتم تنظرون} بيان تمام النعمة، فإن هلاك العدوّ نعمة، ومشاهدة هلاكه نعمة أخرى فيها سرور لا يقدر قدره. 

وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من حيث لم يقل: وأنتم تبصرون، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى. 

وقد أخرج الطبرانى وأبو نعيم فى الحلية عن سعيد بن جبير أن هرقل كتب إلى معاوية يسأله عن أمور، منها عن البقعة التى لم تصبها الشمس إلا ساعة، فكتب معاوية إلى ابن عباس فأجابه عن تلك الأمور وقال: وأما البقعة التى لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار : فالبحر الذى أفرج عن بنى إسرائيل . 

فوائد وعبر

مناسبة قوله تعالى : {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} وذلك أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: {وأورثناها بنى إسرائيل} [الشعراء: 59].

ومنها: تذكير الله سبحانه وتعالى بنى إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم .

ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. تبارك وتعالى أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، أى كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبسًا فى الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجلّ والماء من فوقها، ولكنها صارت فى لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى فاضرب لهم طريقاً فى البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى} [طه: 77] ؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت فى هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟! وهذا ليس ببعيد على الله سبحانه وتعالى.

وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. رحمه الله فى "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم مثلها:  إما له صلى الله عليه وسلم هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التى تقع لمتبع الرسول هى فى الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولى المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولى فهى آية لذلك النبى المتبع؛ وذكر ابن كثير رحمه الله فى "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبنى إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة.

من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: {وأغرقنا آل فرعون} ؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90].

ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفى صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى:{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم} [التوبة: 14، 15] ؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله عزّ وجلّ؛ ولهذا فى غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التى أرسلها الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} [الأحزاب: 9]. 

ومن فوائد الآية: عتوّ بنى إسرائيل؛ فإن بنى إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله عزّ وجلّ.

ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى، عليه الصلاة والسلام؛ وقد كان فرعون يقول: {يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين} [الزخرف: 51-52] ؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذى كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذى وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين.

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} ترك موسى قومه أربعين ليلة لميقات ربه عز وجل، فخدعهم رجل يدعى السامرى فصنع لهم عجلا من ذهب فاتخذوه إلها وارتدوا عن دين الله سبحانه، وهذا ظلم كبير لقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [سورة لقمان، الآية 13].

{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} رغم كل هذا العصيان إلا أن الله تعالى عفا عنهم فهو الغفور الرحيم، لعلهم يشكرون الله و يعودون إلى رشدهم.

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يذكرهم الله تعالى بالكتاب الذى أنزله على سيدنا موسى وهو التوراة، وسماه الفرقان لأن التوراة قبل أن تحرف تفرق بين الحق والباطل بين الهدى والضلال، وهى التسمية التى أطلقها الله على القرآن الكريم.

{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} معناه أن بنى إسرائيل لو اتبعوا الأحكام التى جاءت فى التوراة فسوف يهديهم الله إلى الطريق المستقيم.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} البارئ معناه الخالق، والخالق الحقيقى هو المستحق للعبادة، وليس العجل الذى صنعوه فعبدوه قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سورة لقمان، الآية 11]. فبنى إسرائيل حين أشركوا بالله ظلموا أنفسهم، والشرك أكبر جريمة يرتكبها العباد، فأمرهم الله أن يقتلوا أنفسهم.

قال المفسرون: إن بنى إسرائيل شعروا بذنب عبادتهم للعجل، فاستحقوا القتل إذ أن كل واحد يقتل الأخر فمات منهم سبعون ألف، إنه تاريخ مرير كانت نتيجته أن عفا الله عنهم.

{فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أبواب التوبة مفتوحة دائما للعصاة.

توبة أصحاب موسى

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} حينما تاب اليهود من عبادة العجل أمر الله موسى أن يختار منهم سبعين رجلا يعتذرون إلى الله {وَاخْتَار مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} [سورة الأعراف، الآية 155]. فأمرهم موسى عليه السلام أن يتطهروا ويصوموا فذهبوا إلى جبل طور سيناء فأنزل الله الغمام على سيدنا موسى فلما سمع القوم صوت رب العزة فبدل أن يشكروا سيدنا موسى ويؤمنوا بالله كان الأمر غير ذلك فطلبوا أن يروا الله علانية، و هم بذلك قد بلغوا أعظم درجات الجحود.

{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} عاقبهم الله تعالى أن أنزل عليهم من السماء نارا محرقة فماتوا جميعا.

حزن سيدنا موسى على مصيرهم وبكى عليهم، فناجى ربه، كيف سيعود إلى قومه وكيف سيخبرهم بالأمر، فأجرى الله تعالى معجزة أخرى فأعاد إليهم أرواحهم {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وفى هذا ليعترفوا بقدرة الله تعالى ويؤمنوا به، لكنهم جحدوا فلما طلب منهم سيدنا موسى عليه السلام أن يجاهدوا معه ويدخلوا بيت المقدس قالوا {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة، الآية 24]. وبعصيانهم هذا عاقبهم الله بالتيه فى الصحراء أربعين سنة، لكن رحمة الله أدركتهم.

نِعَم اللهِ على أصحابِ موسى

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} رزق الله بنى إسرائيل غماما يحميهم من الشمس الحارقة تخفيفا عنهم، كما رزقهم المن والسلوى، فالمن كما قال المفسرون له ذوق يشبه العسل، أما السلوى فهو طائر يشبه السمانى له طعم لذيذ، وكلا من المن والسلوى يجدوه عندهم دون عمل أو جهد.

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يأمرهم الله أن يأكلوا {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فبنو إسرائيل ظلموا أنفسهم بخروجهم عن طاعة الله، وإشراكهم به وهم بهذا لم ينقصوا من شأن الله تعالى.

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّة} لقد أمر الله بنى إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس وأن يتمتعوا بخيراته، لكن يدخلوها وهم سجود تواضعا لرب العزة وحمدا له، وأن يطلبوا الغفران على ذنوبهم، فحطة تعنى أن يدعوا الله بأن يحط عنهم سيئاتهم.

{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} يعدهم الله بالغفران والثواب الجزيل للمحسنين.

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ} عصوا الله فيما أمرهم فدخلوا الباب زاحفين مرددين غير الذى أمروا به.

روي البخاري عن النبي صلى اللَه عليه وسلم : (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة) رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً .

وقال الثوري عن ابن عباس في قوله تعالى: {ادخلوا الباب سجدا} قال: ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا حنطة فذلك قوله تعالى{فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} .

وحاصل ما ذكره المفسِّرون وما دلّ عليه السياق أنهم بدّلوا أمر اللّه لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأُمروا أن يدخلوا سجداً فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعي رءوسهم، وأُمروا أن يقولوا: حطة أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا فقالوا حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل اللّه بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم عن طاعته، ولهذا قال:

{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} كان عقاب الظالمين أن أرسل الله عليهم طاعونا قضى على سبعين ألفا منهم فى ساعة واحدة، وكان عقابا على فسوقهم وخروجهم عن طاعة الله.

نسأل الله الهداية والثبات، والهدى والرشاد في الدنيا والآخرة. 

 العدد 11بجريدة الفتح اليوم 

تسجيل الدخول