تواضع الصالحين

القدوة الصالحة وآثارها الإيمانية

 

تواضع الصالحين

للصالحين مع التواضع أحوال عاشوا فيها فى الدنيا كأنهم غرباء، لا يرون لأنفسهم على الناس فضلًا، بل يرون أنفسهم أقل الناس قدرًا، ومن هذه النماذج:

عن الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما أنه مر بمساكين وهم يأكلون كسرًا لهم على كساء، فقالوا: يا أبا عبد الله، الغذاء، قال: فنزل، وقال: إنه لا يحب المستكبرين، فأكل معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، فانطلقوا معه، فلما أتوا المنـزل قال لجاريته: أخرجى ما كنت تدخرين.

قال أحمد بن عبد الله العجلي: آجر سفيان الثورى نفسه من جمال إلى مكة، فأمروه أن يعمل خبزة، فلم تجئ جيدة، فضربه الجمال، فلما قدموا مكة، دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس، فسأل، فقالوا: هذا سفيان الثوري، فلما انفض عنه الناس تقدم الجمال إليه وقال: لم نعرفك يا أبا عبد الله، قال: من يفسد طعام الناس يصبه أكثر من ذلك.

وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئًا والضيف عنده كاد السراج أن ينطفئ، فقال الضيف: يا أمير المؤمنين، أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ قال: ليس من مروءة الرجل أن يستعمل ضيفه. قال: أفأنبه الغلام؟ قال: لا، هى أول نومة نامها، فقام عمر وأخذ البطة فملأ المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، وخير الناس عند الله من كان متواضعًا.

وقال قيس بن أبى حازم: لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤها وكبراؤها فقيل: اركب هذا البرذون يرك الناس، فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيلي.

وروى فى رواية أخرى أن عمر رضى الله تعالى عنه جعل بينه وبين غلامه مناوبة، فكان يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ، فلما قربا من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة، فاستقبله الماء فى الطريق، فجعل عمر يخوض فى الماء ونعله تحت إبطه اليسرى وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة بن الجراح وكان أميرًا على الشام وقال: يا أمير المؤمنين، إن عظماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر رضى الله تعالى عنه: إنما أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نبالى من مقالة الناس.

وقال عروة بن الزبير رضى الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضى الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغى لك هذا، فقال: لما أتانى الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسى نخوة فأردت أن أكسرها.

ويروى أنه دخل ابن السماك على هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إن تواضعك فى شرفك أشرف لك من شرفك، فقال: ما أحسن ما قلت! فقال: يا أمير المؤمنين إن امرءًا آتاه الله جمالًا فى خلقته وموضعًا فى حسبه وبسط له فى ذات يده فعف فى جماله وواسى من ماله وتواضع فى حسبه - كتب فى ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده.

وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: مسكين مع مساكين.

هذه أحوال الصالحين فى التواضع لله وللخلق فهل اقتفينا آثارهم ونهلنا من أخلاقهم نسأل الله العلى العظيم أن يحشرنا فى زمرة المساكين وأن يطهر قلوبنا من الكبر والنفاق إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

 (11)نشر بجريدة الفتح اليوم

تسجيل الدخول