آداب البيوت السعيدة

البيوت السعيدة العدد  10بجريدة الفتح اليوم

فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عبده عوض

آداب البيوت السعيدة

لقد وضع الإسلام للبيوت آدابًا تنبت فيها زروع السعادة وتصونها من مواطن الهم والحزن وهتك الستر، وكل ما يحول بينها وبين سعادتها.

ولا ضير أن نتجول معًا فى بستان هذه الآداب؛ لنتعرف على بعض منها وأسرارها وحكمها.

فأول هذه الآداب التى تلقى بحصن حصين على البيت المسلم يقيه من الهموم والكروب والشرور : الذكر عند دخول المنزل والخروج منه.

فقد ورد عن جابر رضى الله عنه أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عز وجل عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل ولم يذكر الله قال: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء)).

ومن الأذكار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرًا لدخول المنزل: ((اللهم إنى أسألُك خيرَ الْمَوْلِجِ وخيرَ الْمَخْرَجِ بسمِ اللهِ وَلَجْنَا وبسمِ اللهِ خرجْنا، وعلى اللهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا((.

وأما إذا أراد الإنسان أن يخرج من بيته، فليسلم على أهله، ثم يخرج متزينا متسترا، ثم يذكر دعاء الخروج من المنزل، وهو: ((باسم الله آمنت بالله، واعتصمت بالله، وتوكلت على الله، اللهم إنى أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)).

وعن أنس  رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان)) وفى رواية أبى داود: ((فيقول – يعنى الشيطان – لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدى وكفى ووقــي)).

ومن آداب البيوت الإسلامية الاســتئذان قبل الدخــول:قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} [النور: 27] ، لقد جعل الله البيوت سكنا يفييء اليها الناس، وتطمئن نفوسهم ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، والبيوت لاتكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا، لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفى الوقت الذى يريدون، وعلى الحالة التى يحبون أن يلقوا عليها الناس، ويعبر القرآن الكريم عن الاستئذان بالاستئناس، وهو تعبير يوحى بلطف الاستئذان ولطف الطريقة التى يجيء بها الطارق، فتحدث فى نفوس أهل البيت أنسًا به واستعدادًا لاستقباله، وهى لفتة دقيقة لطيفة لرعاية أحوال النفوس، ولتقدير ظروف الناس فى بيوتهم، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا السلام فما الاستئناس؟.

قال: يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح، ويؤذن أهل البيت، والسنة فى الاستئذان: ثلاث مرات.

وكيفية الاستئذان أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف (ولا يكن فى صدره حرج) والسنة فى ذلك أن يعلن عن نفسه (بذكر اسمه) فقد روى ((أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم : هذا أبوموسى)) (رواه مسلم).

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاء عمر إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى مشربة له فقال السلام عليكم يارسول الله ، السلام عليكم أيدخل عمر؟ (رواه الامام أحمد)0

ومن الآداب الربانية للبيوت المسلمة أيضًا اســــتئذان أهل البيت بعضهم على بعض، فمن مقاصد الإسلام أن يتربى النشء، ويشب الطفل فى جو مليء بما يغرس فيه خصال الحياء، ومن وسائل الإسلام فى ذلك: ألا يقتحم الأبناء الصغار والخدم الحجرات دون إذن مسبق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور : 58 ]، ولقد سبقت فى أول السورة أحكام الاستئذان على البيوت، وهنا يبين أحكام الاستذان فى داخل البيوت، أدب الله عباده حتى الأطفال أمروا بالاستئذان فى الأوقات الثلاثة.

ومن الآداب الربانية لسعادة البيوت السواك عند دخول البيت:

فيستحب السواك عند دخول المنزل، عن شريح بن هانئ قال: قلت لعائشة رضى الله عنها: بأى شيء كان يبدأ النبى صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته، قالت: بالسواك، قال النووي: ((فيه ندب السواك عند دخول المنزل، وذلك لإزالة ما يحصل عادة بسبب كثرة الكلام الناشئة عن الاجتماع((.

وكذلك السواك عند الخروج من البيت:لحديث زيد بن خالد الجهنى  رضى الله عنه قال: ((ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلاة حتى يستاك((.

ومن الآداب أيضًا أن يجعل للبيت نصيبًا من الطاعات:فينبغى للمسلم أن يحرم بيته من أن يكون له نصيب من الطاعات، وقد حث النبى صلى الله عليه وسلم على تنفيذ بعض الطاعات فى البيت، لينال بركة هذه الطاعات، وكذلك حتى يكون ذلك حثًّا لبقية أهل البيت على الطاعات والخيرات، من ذلك:أن يجعل للبيت نصيبا من الصلاة.

عن ابن عمر رضى الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا))، وفى حديث جابر رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قضى أحدكم الصلاة فى مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعلٌ فى بيته من صلاته خيرًا)).

ومنها أن يجعل للبيت نصيبا من التلاوة:فالبيت المسلم معطر بذكر الله وقراءة القرآن، محصن من الشيطان، وقد رغَّب - صلى الله عليه وسلم - فى قراءة القرآن فى البيوت، لا سيما سورة البقرة؛ لأن قراءتها فى البيت تطردُ عنه الشياطين - بإذن الله تعالى ، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ, إن الشيطان ينفر من البيت الذى تقرأ فيه سورة البقرة))؛ رواه مسلم.

إن البيت المسلم الذى يستظل بظل الطاعات والقرآن والآداب الإسلامية هو بيت تهطل عليه أمطار السعادة التى تحوله إلى جنة وارفة الظلال، وإن بيتًا يُنشَّأ على طاعة الله لحرى به أن يكون بيتًا إيمانيًّا، يعظُمُ ثوابُ أهله، ويصفو عيشهم؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى، فأيقظ امرأته فصلَّتْ، فإن أبتْ نَضَحَ فى وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحتْ فى وجهه الماء))؛ رواه أحمد وأبو داود.

تلك هى بعض الآداب التى تجعل البيوت جنة على الأرض وطريقًا إلى جنة الآخرة، آداب إسلامية ربانية أوحاها الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة بنا وفيض من كرمه سبحانه وتعالى فهو المنعم الوهاب.

نسأل الله العلي العظيم أن يجعل بيوتنا من البيوت التي تسير على نهجه وتستظل بظل رحمته وتتخذ الله وليا وناصرا ومعينا.

 

تسجيل الدخول