أجدادنا الطيبون

أجدادنا الطيبون(العدد  10)بجريده الفتج اليوم

عبد العظيم محمود عمران

يقولون: إنه جاء من مكان ما من الجنوب مهاجرًا حتى ألقى عصا ترحاله في قصر حيدر، تخيلت أنه كان منهكًا، جلس يلتقط أنفاسه، ربما هبت على حياته أعاصير الحزن الجنوبية، فبعثرت بعض أحلامه ولونتها بلون مر، وربما لم يأت أصلًا، وكانت هذه الحكاية مجرد قصة روتها شفاه متعبة تحت ظل النخيل.

لكنني ذكرتها على استحياء؛ فقيل لي: إن هذه الحكاية لا أصل لها، كيف يأتي غريب من الغرباء، فينبت في القرية من ذريته عائلتان يلامس شرفهما ذروة النخيل، ويناطح حسبهما قمم الجبال.

المساعدة والعبادلة هل يعقل أن يكون أبوهما غريبا، جاء ليمتلك القرية بكاملها، لا تشع هذا الكلام يا رجل، ووضع يده على كتفي فصمت.

كانت قصر حيدر تتباعد أمامي فأرى أكواخها تتسابق حتى ترتشف من ضوء الشمس في الصباح، وتتطاول حتى تصافح القمر في المساء، نخيلها قصائد شعر محمل بتمر الذكريات، وزروعها حدائق تثمر الأمل، ودروبها ممزوجة برائحة الطيب، وأسوارها مرة المذاق حنونة البناية، لكنها حالت في صباي بيني وبين الشمس، كنت أرغب أن أقتبس من نورها ما يضيء طريقي بالهدى .

في هذه السنوات ذات الألم المحبوب، والذكريات الأليفة هناك أيد من قصر حيدر تمتد تحت ضوء القمر لتنقي قدميَّ من الأشواك، وتحاول جاهدة أن تبعد الصخور عن طريقي.

كنت أؤمن أن الصخور زائلة، وأن الله لن يترك صبيًّا يبحث عن نور الحروف.

وكان هؤلاء يؤمنون معي، كأنهم يبحثون كل صباح عن شجرة الأمل في عينيَّ حتى إذا ما رأوها يانعة الأوراق اطمأنت نفوسهم وارتاحت قلوبهم، قضيتي أصبحت قضيتهم، ألفتهم وألفوني، وكانت مجالسهم بساطًا أخضر في هجير الحياة وصحراء الأيام.

ربما لم يقدم لي بعضهم إلا الكلمات، وهل الكلمات شيء هين، الكلمة تحول اليأس إلى أمل، والليل إلى فجر، والظلام إلي ضياء، الكلمة مفتاح الحياة، وتسابيح النخيل، وأنيس الصمت، ورقة الهواء، وظلال الشجر.

الكلمة رشفة ماء في ساعة الظمأ، وومضة فرح في حدائق الأحزان، الكلمة دواء وصفاء ورجاء، وعطاء.

لقد تحولت كلماتهم إلى معالم في حياتي، وصرت مدينًا لهم، أكتب هذه الكلمات من فيض كلماتهم، ومن معين حنوهم، ومن صدق مشاعرهم.

مضت سنوات ذابت فيها الصخور، وتهدمت الأسوار، وظللت أعدو في الفضاء الممتد على صفحة الحقول الخضراء حتى احتضنت ضوء الشمس، أخبرته عن شوقي الطويل في ساعة الأصيل، سألته بالله أن يمنحني كلامًا أصوغه قصائدًا، أبعثه حمامًا يطير فوق قريتي ليبذر  السلاما.

كان أحبابي هؤلاء يؤكدون لي دائمًا أن هذه اللحظة آتية، وهل يترك الله من تمسك به ودعاه،  وبين وحشة الأيام والسنين ناجاه، إنهم الآن يجلسون تحت النخيل في بساط الحقول الممتد في الفضاء، مشيت نحوهم قليلًا قليلًا، فأحسست بعبق المحبة، ورونق التواضع، وطعم الألفة، ولون الصفاء اليانع.

وكان بعض أبناء عمومتي من المساعدة والعبادلة يجلسون يتفاخرون بالأحساب والأنساب، لكنني أبصرت في ثيابهم بعض آثار التراب.

 

تسجيل الدخول