علمتني الحياة(2)

علمتني الحياة(2)

قال ربِّنا - تبارك وتعالى -: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [فصلت: 34] .

 

 قرأت هذه الآية؛ فأحسست ببرد وسلام في صدري، وبصيرة في قلبي، وراحة لقلبي كأنني أغتسل من هم عظيم، وأنزل من على كاهلي عبء جسيم .

لن تجد ردًّا أعظم في الدنيا والآخرة، وأرضى لله والناس من مقابلة الإساءة بالإحسان فهو الطريق الذي يقودك إلى راحة البال، والتفرغ للهدف الإيماني الأعظم الذي جئنا إلى هذه الحياة من أجله.

هكذا علمتني الحياة ، أنك ما دمت على طريق الإيمان فإنك لن تعدم حاسدًا، ولن تخل من مسيء إليك ، ولن تخل طريقك من معوق يريد أن يثنيك عن طريق الخير والهدى، ويرى الحق لديك باطلا، والباطل حقًّا .

كان من هؤلاء في طريقي كثيرون تكلموا فصمت، وأساءوا فسكت، وبحثوا جاهدين عن هفوات ليصنعوا منها معضلات، فدعوت لهم بالهداية والسداد، ورأيت الحلم أسلم طريق، والانشغال بالطاعة والعمل أولى من التنازع والشقاق.

وأحمد الله تعالى أن جعلني في زمرة الذين يدفعون الإساءة بالإحسان إلى من أساء إليهم، وأنا أتوجه إلى الله بالشكر والاعتراف بالمنة لمعرفتي أن هذا الخلق الرفيع لا يستطيع عليه إلا من وفقهم الله، ونرجو أن يكتبنا الله من الموفقين لطاعته في الدنيا والآخرة.

علمتني الحياة أن أقطف ثمار السعادة من هذا الزرع اليانع زرع التسامح والإحسان، وأن أنشغل بطريقي الذي تنبت على جانبيه أشجار الهدى خير من انشغالي بالتنازع والردود .

 

ومن العجب أن البعض يرى أنك ضعيف إذا أحسنت إلى من أساء إليك، أو أنك تخشاه، وهذا في نظري مخالف للخُلقُ الذي أمر الإسلام به أتباعه، وليس فيه حجة لمن لم يتخلق بهذا الخلق الحسن. 

فحينما تُحْسِن إلى مَن يُسِيء إليك مرَّات، يأتيك الشيطان يُوسْوس لكَ بأنَّه قد يظنُّ أنَّك خائفٌ منه، أو محتاج إليه، أو غير ذلك من الوساوس، فلا يزال بك حتى تعامِلَه بالمثْل، فهنا تحتاج النفسُ إلى تذكيرٍ بأنَّ هذا ليس ضَعفًا، وليس جُبْنًا، إنَّما هو علامة على أنَّك محظوظٌ، فأنتَ خيرٌ منه، نِلْتَ الذِّكْر الْحَسن وراحة البال في الدنيا، والثواب في الآخرة، فأنتَ محظوظٌ وليس هذا الحظُّ يسيرًا، بل هو حظٌّ عظيم.

إن على المرء أن يقول الأحسن، ولا يسيء لأحد في قول أو فعل، قال تعالى آمراً عباده بأن يقولوا التي هي أحسن: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (53) سورة الإسراء. وفي إساءة القول ينزغ الشيطان بين الناس؛ ليحدث بينهم الخصام والفرقة والضعف، وليتذكر الدافع للإساءة خلق النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن يتخلق به إذا كان من خلقه العظيم العفو والصفح عمَّن أساء إليه.

هذه نصيحتي التي أهديها إلى كل من حصل بينه وبين أحدٍ خلاف أو سوء تفاهم أو عداوة أن يبدأ بالعفو والصفح، وأن يمد يد الصلح، وأن يحسن بعضهم إلى بعضهم، لتبقى الصدور سليمة وتنسل من القلوب السخيمة.

فمَن يلقاك بعبوسٍ تَلقاه بطلاقة وجْهٍ وابتسامة، ومَن يُعْرِض عنك ويولِيك ظَهْرَه تستقبله، مَن لا يسلِّم عليك ولا يُحَيِّيك تُحيِّيه بالسلام وبغيره من التحايا، مَن يقطعك ولا يَصِلك تَصِله وتُواسيه في النائبات، مَن يُسْمِعك كلامًا جارحًا تُسْمعه كلامًا ليِّنًا طيِّبًا، مَن يحاوِل استفزازَك بالكلام، تتغافَل عنه وكأنَّك لم تسمعْ كلامَه.

وَإِنْ بُلِيتَ بِشَخْصٍ لاَ خَلاَقَ لَهُ  

فَكُنْ كَأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ يَقُلِ  

تم نشر هذا المقال لفضيلة الاستاذ الدكتور / احمد عبده عوض بجريدة الفتح اليوم بتاريخ الثلاثاء 25 مارس 2014

 

 

تسجيل الدخول