أمة واحدة 2

في الوقت الذي تتفاخر فيه بعض الدول بأنها قد أعطت حق المواطنة لجميع مواطنيها ، بلا تفرقة بينهم في لون أو جنس أو دين أو لغة ، فإن الدولة الإسلامية المدنية التي أسسسها رسول الله صلي الله عليه وسلم أعطت حق المواطنة لجميع مواطنيها ، الذين كانوا يختلفون بطبيعة الحال من الناحية الدينية من مسلمين ويهود .
فقد كان الاتجاه الإسلامي منذ عهد النبوة سباقاً لإعلان مبدأ المواطنة قبل ظهور مفهوم الإقليمية المعاصرة منذ معاهدة وستفاليا سنة1856م، ثم بلورة النظام الدولي الحديث في ميثاق فرانسسيسكو والاتفاق علي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر1948.
ويتمثل هذا السبق الوهاج في الوثيقة المشهورة تاريخياً وفي السيرة النبوية وهي "صحيفة المدينة" التي أبرمها النبي صلي الله عليه وسلم بعد هجرته إلي المدينة المنورة وبعد ثلاث عشرة سنة من البعثة النبوية سنة622كما بينا سلفا
ففي السنة الأولي للهجرة ، وفي منزل يهودية هي دمنة بنت الحارث ، جمع الرسول _ صلي الله عليه وسلم _ كافة القبائل والبطون الموجودة في المدينة ، وعاش معهم جميعا في حوارات أنتجت أول عقد اجتماعي حقيقي ، وأول دستور في تاريخ البشرية ، هو دستور المدينة ، وضعت الصحيفة أركان المواطنة في الدولة ، وأساس تكوين عنصر الشعب في المدينة ، فجعلته الإسلام ، فالصحيفة أساساً وثيقة افاقية أو دستور مكتوب يقوم بين المسلمين والمؤمنين ، ثم من تبعهم ولحق بهم من أهل الصحيفة وعلي ذلك فاليهود طالما قبلوا أحكام الصحيفة أعضاء في مجتمع المدينة ، بل إنهم يكونون مع المسلمين أمة واحدة ، وهو نفس الحكم بالنسبة للوثنين الذين قبلوا أحكام الصحيفة ، فالنصوص واضحة في هذا الشأن وهي تقول ( إن اليهود يتفقون مع المؤمنين ، وإن يهود بني عوف أنة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ....، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ، وأن ليهود بني ساعدة ما ليهود بني عوف ...) وهكذا عدت الصحيفة كافة بطون اليهود وأعطتهم حق المواطنة ، وقررت لهم حرية العقيدة بشكل واضح وكامل.  
لذا فإن الصحيفة أسست الدولة علي اعتبار سيياسي وليس دينيا فحسب ، وهذه صور عبقرية الرسول الكريم الذي استفاد في تأسيس الدولة من كافة من يوجدون علي إقليمها مع إعطائهم كافة الحقوق والتزامهم بكافة الواجبات
إن دلالة عرض الوثيقة ومناقشتها وإقرارها من كافة بطون وطوائف المدينة واضحة في إقتناع الرسول وأهل المدينة بمجمل أحكامها ويرجح أنه لأهميتها دونت علي قطعة جلد أو حجر ، ووجدت كما كتبت ، وهي مسألة نادرة في عصر لم تكن المطابع قد ظهرت فيه بعد
أما المبادئ والأحكام التي قررتها الوثيقة فهي متقدمة جدًا بالنسبة إلي الوقت الذي كتبت فيه وتدل علي تبني الرسول لقيام الديمقراطية الحديثة منذ هذا الوقت المبكر وهو في السنة الأولي للهجرة وذلك لأن الحرية الدينية والتعددية المذهبية وتقرير المساواة بين المختلفين في الحقوق والواجبات –(لهم مالنا وعليهم ماعلينا) قد كانت-منذ عصر النبوة _دينا وثمرة من ثمار حاكمية الشريعة الإسلامية جسدتها الدولة الإسلامية وحضارة الإسلام واقعاً تجسد في الممارسات والتطبيقات

بين الإنتماء الوطني والإنتماء الديني .

يعتقد البعض ممن لايجيدون سياسة أمور الناس وتوجيههم نحو الوحدة أن هناك تناقضاً بين الإنتماء الوطني والإنتماء الديني وهذا غير صحيح .لأن الإسلام _ كماهو معلوم _ يجمع بين الإنتماءين ، بل وينظم مختلف الولاءات التي تتوزع الناس في غير عرقية أو مذهبية أو عقائدية أو غير ذلك ويردها إلي أصل عقيدة التوحيد ووحدة أصل الإنسان ومفهوم الخلافة عن الله _ سبحانه وتعالي  _ في عمارة الأرض واستباق البشر كافة في تحصيل الخيرات لبني الإنسان جميعا بصرف النظر عن الدين الذي يدينون به ، وماكان الإسلام إلا دينا يراد به تدبير مصالح العباد وتحقيق العدالة وحفظ الحقوق ، وإذا وجدت المصلحة فثم شرع الله ، والإسلام ينظر إلي هذه الولاءات من جهة مافيها من مصالح ومضار فما كان منها صالحا أقر ، وما كان منها ضار بمصالح الإنسان نهي عنه ، وما احتاج منها من التهذيب هذبه .ليكون كفيلا بخير الناس ومما أقر الولاء الوطني واعتبر حب الوطن من الإيمان ، فالشريعة الإسلامية وضع إلهي ليأخذ الإنسان بها نفسه في مختلف علاقاته : بربه وبأخيه الإنسان عامة وبالكون وبالحياة، وهي منظومة من العلاقات متناسقة غير متنافرة ويتسع لها الإنسان وتساير الفطرة وسنن الله في العمران البشري ، وتدور كلها حول محور واحد وأن تعددت مداراتها كما أن هدفها النهائي واحد هو سعادة الإنسان في دنياه وآخراه معا وبالتنالي فلاتكون هذه الولاءات سبيلا إلي تمزق الأمة ، وهوانها بل سبيلا إلي قوتها وتمسكها ، وإذ يساند بعضها بعضا وقد جمع النبي صلي الله عغليه وسلم بين الإنتماء للوطن والإسلام فيما عبر عنه في وداعة لموطنه الأصلي في مكة وقد أزمع الهجرة إلي المدينة حين التفت إليها لفتة حانية قائلا: ( وإنك لأحب أرض الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ماخرجت ) كما أن التوفيق بين الأنتماء للوطن والأمة في التصور الإسلامي سهل وواضح ، ذلك أن الإسلام وضع منهجا واضحا للدفاع عن الوجود الوطني والبدء بأهل الدار أو الوطن الصغير ثم الانتقال إلي الجوار ثم الأقرب فالأقرب حتي يعم جميع البلدان والأقطار في العالم الإسلامي شرقا وغربا كما أن الميل إلي الوطن بالمعني الإقليمي الضيق لايمنع من الميل للأمة المتحدة في أفكارها وعقيدتها ، فالمواطنون في الوطن الضيق شركاء في المغانم والمغارم وهي الدائرة الأولي ثم تتسع الدائرة لأجل تحقيق وحدة المسلمين وقوتهم وصون عزتهم وكرامتهم لتشمل جميع الأمة الإسلامية وهذا يتطلب التعاون الدائم وحلقات التعاون يؤازر بعضها بعضا فلا تصان الحياة الإجتماعية إلا بخطوط دفاع متلاحقة الواحد يتلو الآخر ، ويضب الخير في النهاية في مصلحة الجميع ، والإيمان بأركان وأصول واحدة والاتحاد في تطبيق أركان الإسلام الواحدة يجعل الأخوة الإسلامية صمام أمان قوي ومنيع ، وهي أيضا تفيد اهل الوطن الضيق من تطلع الأعداء إليها فلايكون الإخاء الإسلامي العام بين جميع المسلمين متصادما مع الشعور الخاص بين أبناء الوطن الصغير فكلاهما يساند الآخر
إن الأمة الإسلامية القائمة علي بنية المجتمع متعدد المذاهب والأديان والأعراق والغايات في قطر إسلامي تؤمن بالله وتظللها شريعة واحدة وتربطها أخوة واحدة كما قال الله سبحانه وتعالي ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) إن كل من يسيئ إلي وطنه أو وحدة أهله أو أمن قومه ليس من الإيمان في شيئ وليس له حظ من جذوة الإيمان بمفهومها الصحيح ، وإن رفع شعار الدين فعمله رد عليه ودعواه باطلة ، ولن تكن جذوة الإيمان الصحيح سببا بحل من الأحوال في قتل الإنتماء الوطني أو النيل من الوحدة الوطنية ومن ثم فلا مكان لخوف من توقدها في القلوب وتناميها في النفوس بل إن ذلك مطلوب بكل المقاييس فهي منطلق الوحدة التي نبحث عنها والتنمية التي نسعي إليها وأساس الوطنية والقومية في مفهومها الصحيح ، كما هو أساس الإخاء الإنساني والسلام الذي لايعرف تعصبا أو عنصرية أو تسلطا أو عدوانا ، وإنما يعرف السماحة واستباق الخيرات بين البشر كافة البشر   

د/ أحمد عبده عوض
الأستاذ بكلية التربية _ جامعة طنطا

تسجيل الدخول