نختلف ولا نفترق

من ثوابت هذا الدين العظيم أنه يقبل الاختلاف مع الآخر وفق ضوابط شرعية وهو الاختلاف الذى لا يؤدى إلى التنافروالتباغض وضعف الأمة وذهاب وحدتها قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) الأنفال : 46.
وأما التفرق بلا شيع ومذاهب شتى متناحرة فى مقاصدها وأهواءها فهذا هو التمزق الحقيقى قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) الأنعام :159.
ووجود الاختلاف حتمى فى طبيعة الحياة ذلكم أن الله خلق الناس متفاوتين فى فهمهم وإدراكهم ولذا تقبل النبى صلى الله عليه وسلم كما ورد فى الأحاديث الصحيحة الاختلاف بين الصحابة وذلك فى مسألة صلاة العصر فى بنى قريظة ، وفى مسألة قطع اللينة أو تركها فى غزوة بنى النضير ، واختلافهم فى أسرى بدر ،والاختلاف فى الإسرار بالجهر بالبسملة فى الصلاة ،واختلاف الصحابة مع عثمان بن عفان رضى الله عنه فى مسألة قصر الصلاة فى منى فى الحج ، واختلافهم حول الإغتسال فى البرد الشديد فى غزوة ذات السلاسل ، وهذا الاختلاف لم يصل بهم إلى حد تنافر القلوب أو فرض الرأى بالقوة والقهر فهناك فى نصوص الشريعة ماهو محكم وما هو متشابه ومنها ما هو قطعى فى ثبوته وما هوظنى فى ثبوته ولكل وجهة هو موليها فى الفهم والاستنباط والاختلاف فى الفروع وليس فى الأصول وعلماء السلف رضى الله عنهم يفعلون المفضول ويتركون الأفضل منه لعدم الخروج من الإجماع ولإغلاق باب الاختلاف والأدلة كثيرة على هذا .
ولذا لا ينبغى أن نكلف الناس فوق طاقتها فى ما نعتقد نحن ولا نكره الناس على رآى معين خالفنا قواعد الاسلام وأدب الاختلاف .
والأئمة الكبار كانت عندهم سجية تقبل الإختلاف انطلاقا من قاعدة التسامح فى الإسلام والتحلى بمكارم الأخلاق والحلم على الخصم ومحبة الخير له .
ولقد قال الأمام مالك عن الإمام أبو حنيفة رحمه الله (علمنا هذا الرأى وهو أحسن ما قدرنا عليه ، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق ).
وإذا أردنا أن نتأمل أسباب الاختلاف فى الإسلام لوجدنا أنها تعود إلى انغلاق الفكر فى كثير من الأحوال فمن الجهل بالأمور أن يحاول بعض الناس جعل الناس كلهم يؤمنون برأى واحد وموقف واحد ولا يقبلون مبدأ الاختلاف والتعايش مع الآخر.
ولا يعرف الإسلام هذا النمط من الفكر حيث قال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا )المائدة :48.
وقال أيضا ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) هود:118.
وللاختلاف أسبابه النفسية والاجتماعية والفكرية والمذهبية والبيئية والشخصية وكما ذكرنا فإنه مقبول ولكن هناك حدود وضوابط لهذا الاختلاف .
ومن المهم أن نعرف أدب الاختلاف فى الرأى فى حسن الظن بالآخر وتجنب الإساءة إليه وعدم الحكم المسبق على الآخرين والتحلى بالموضوعية عند الاختلاف وتجنب تتبع عورات المخالفين وتجنب تعميم الأحكام على سبيل الظن وتجنب الحقد الشخصى الذى يهدف إلى تشويه صورة الآخرين فى عيون الناس وقلوبهم وتجنب الأهواء والمصالح الشخصية فى الاختلاف فى أمر الدين وتدريب النفس على تقبل الآخر دون تعصب أو تشدق .
والمصيبة الكبرى أنك ترى من يجاهر بفرض رأيه على الناس دون ترك مجال للآخرين دون أن يجتهدوا ، قد اتى فى حديث حذيفة هذا المعنى المهم ( ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يومئيذ يسرون واليوم يعلنون ) .
قد ذكرنا أن الاختلاف لا يدل على القطيعة وأن الصحابة الكرام أتموا صلاتهم فى سفر الحج مع سيدنا عثمان ولم يخالفوه وقال بن مسعود رضى الله عنه (الخلاف شر) .
والأساس عندنا فى الشريعة كثرة الأختلاف مع تقدم السنين والزمان وقد جاء فى الصحيح تأكيدا لهذا المعنى فى قوله  صلى الله عليه وسلم (وإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا ) . غير أن هذا الاختلاف محكوم بضابط الشرع  وقال ( لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله اخوانا ).
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية "الاعتصام بالجماعة والألفة أصل من أصول الدين ولك أن تتصور كيف اختلف الفاروق رضى الله عنه مع الصديق فى قتال مانعى الزكاة وحول جمع القرآن الكريم وكيف شرح الله صدر الفاروق رضى الله عنه للحق .
وسترى سلمك الله تعالى هذه النفسية الطيبة عند أئمة المسلمين فهذا الأمام مالك يرفض طلب أمير المؤمنين بحمل الناس على كتاب الموطأ ويقول لا تفعل ياأمير المؤمنين . وقال الشافعى " ما ناظرت أحدا إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معى اتبعنى وإذا كان الحق معه اتبعته " .
وتقتضى المصلحة دعوة الإسلام الناس إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف مع ضرورة العذر بالجهل بالآخرين وضرورة العذر بالاجتهاد وتقبل اختلاف العلماء والرفق فى التعامل مع المخالفين , والترقق فى الكلام عن الآخرين . كما قال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)الإسراء: 36.
وختاما فإن الشريعة الغراء تجعل المسلم  قادرا على الحوار والمهادنة مع الآخرين ولكل موقف ما يناسبه من أدب الاختلاف والالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية التى تؤكد على إظهار روح الإسلام وأخلاق الإسلام فى الأمور المتنازع حولها وإذا نظرت فى سورة سبأ وجدت هذه الروح الإيمانية غير المنغلقة حيث لا ينظر الإنسان إلى نفسه أنه على صواب دائم وأن الآخرين فى خطأ دائم وإنما تأتى حالة من الشفافية والسعى إلى الحق فى آيات سورة سبأ انظر إلى هذا المنهج الفريد فى قوله تعالى (  قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ  ) سبأ : 24- 25-26  .
وهذا المنهج نحتاج إليه فى أيام كثرت فيها الخلافات والإختلافات ومرجت الأمور وأدخل الأمر على أنه فتنة لا نجاة منها إلا بتقريب أوجة الاختلاف بين الناس وعدم اتهام الآخرين فى عقيدتهم وأفكارهم ولا نواياهم وهذه مصيبة الأمة التى تعانى منها هذه الأيام حيث ظهرت طوائف شتى تستأسد برأيها وتتباهى بكثرتها وتظن أن الحق معها وأن الباطل عند غيرهم وأنهم دون غيرهم أصحاب الكلمة عن الإسلام وكأن الإسلام يبعث من جديد وكأن لهم شريعة مختلفة عن شريعتنا فلا ترى إلا وجوها متهجمة وقلوبا قاسية متنافرة ترى أن هيئة المسلم أن يكون شرساً عبوساً قمطريرا كى يرهب غيره ولذا أردنا فى هذا المقال أن نظهر جانباً من سماحة الدين العظيم فى التعامل مع المسلم وغيره كما قال تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) النحل: 125.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

     

د / أحمد عبدة عوض
الأستاذ بكلية التربية_جامعة طنطا  

 

تسجيل الدخول