يقول صلى الله عليه وسلم (لا يرد القدر إلا الدعاء)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله له الجلال وله الكمال وله الكمال وله العظمة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إنا نبرأ من حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك فإنه لا يحدث شيء إلا بأمرك ولا يترفع شيئاً إلا بإرادتك، والصلاة والسلام على خير وعلى آله الكرام وعلى صحابته الأبرار .

بين القرآن والأحاديث القدسية هذا البرنامج الحصري لقناة الفتح للسنة النبوية التي تحبب الناس في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلى مدى الدروس الخمس الأخيرة كان تركيزنا ولا يزال على قضية الإيمان بالقضاء والقدر وهي قضية مهمة أساسية لا يزيغ عنها إلا هالك. 

الإيمان بالقضاء والقدر مثل الإيمان باليوم الأخر والملائكة والإيمان بالله الملك وسيدنا صلى الله عليه وسلم

الإيمان له شعب ومراتب وبالتالي فإن التصديق بالقضاء والقدر هو جزء أساسي في العقيدة الإسلامية، أي أن الله تعالى قدر المقادير على وزنها في حياتنا إلا ما شاء الله وقد يحدث تغيير لمراد الله وبأمر إرادة الله

{ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد - 39)

إذا قلت لي كيف أن الله تعالى قدر لي كل شيء سلفاً؟ هل هذه الأمور يمكن أن يكون بها تغيير؟ نعم والتغيير فيها أيضاً داخل في إطار القدر، والدخول في الموضوعات القدرية ليس أمراً سهلاً على مشاهدينا .

يقول صلى الله عليه وسلم (لا يرد القدر إلا الدعاء)

إذا يمكن أن الله تعالى يمحو ويغير إذا كان الدعاء صادقاً ويحب الله تعالى أن يسمع قلبك ورعشة فؤادك ورغبتك أن يكشف الله تعالى كربتك، فظللت تقول يا رب فنزل القدر هيناً عليك أي أن القدر خفف وعندنا عند أهل السنة والجماعة تخفيف القدر جزء من القدر، ابن رجب الحنبلي في كتبابه (الإيمان بالقدر يستوجب التصديق ان الله تعالى يصدق ما يشاء)

قال تعالى { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد - 39)

القدر يرد أو يخفف بالدعاء وهذا جزء من القدر، ما معنى جزء من القدر؟ الله تعالى يخفف القدر بما هو مكتوب في صحيفة الإنسان، ثم يشاء الله تعالى أن يهون هذا القدر لأنه أخلص في المناجاة وهذا كله داخل القدر، أما غيرنا فلا يصدقون هذا الكلام على نحو ما عرضته لك في الدروس السابقة ورددت عليه، وبعد هذه المقدمة اللزومية من وجهة نظري اسمحوا لي أن أدخل في درس الليلة .

الدرس (12) في برنامجنا بين القرآن والأحاديث القدسية

عن عبيدة بن الصامت رضي الله عنه قال (إني سمعت) الصحابي عندما يقول (سمعت) أي من باب الملاصقة اليقينية التي لا تحتمل لبساً أو توهماً

قال (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمُ فَقَالَ اكْتُبْ فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ».) أخرجه الترمذي وأبو داوود

الحديث له قصة والذي ذكرته الآن هو ملخص الحديث والحديث يحتاج منا إلى وقفات كثيرة جداً، و لكن من باب التوفية للمعلومات بما أنني أحاول أن أغطي الموضوع جيداً اسمعوا إلى قول سيدنا صلى الله عليه وسلم (إن أول ما خلق الله القلم) فقال له اكتب قال ربي وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني، وما معنى على غير هذا أي على عدم الإيمان واليقين بالقدر.

اسمحوا لي أن أشرح لكم الحديث أولاً ثم نقف حول إضاءات حول الحديث ونربطه بالقرآن الكريم

قال تعالى { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

قال تعالى { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}

 

 

 أي اللوح المحفوظ وكل شيء مقدر فيه الذي كتب فيه القلم

قال تعالى { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد - 39)

هكذا ربطت لك بين القرآن وبين الأحاديث القدسية وهذه فلسفة البرنامج، وهناك أم الكتاب كما استمعت مرتين مرة في سورة الرعد ومرة في سورة الزخرف، الله تعالى أمر القلم أن يكتب وهل هذا القلم كأقلامنا هذه؟

لا ندري ما طبيعة القلم وما لونه وما حجمه؟

الله تعالى أقسم بالقلم في سورة تسمى بسورة القلم { ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فابتدأ الله تعالى عز وجل كتابة المقادير في الكون كله، والكتابة في اللغة العربية معناها الجمع وكتب الفعل الثلاثي بمعنى جمع، ومنهم الكتيبة أي المجموعة من الجند، فانظر إلى حديثنا الذي معنا قال له اكتب أي في اللغة بمعنى اجمع .

(أجمع) أي أجمع ما سيجري على العباد، وهل القلم سيكتب من نفسه تصاريف الأقدار؟ سيكتب القلم ما أمره الله به .

القلم عبارة عن آلة مادية تتحرك بقدر يسجل في اللوح المحفوظ وهناك قضايا كثيرة جدا ً صعبة هنا وهناك من يقول إن الله تعالى لماذا يحتاج إلى قلم، فحياتك كلها عبارة عن سجل للوح المحفوظ، وحين يأتي موعد وفاتك ينظر الملك في اللوح المحفوظ، أما الكتاب واللوح المحفوظ يحتاج مننا إلى درس طويل وتفاصيل طويلة لكنها خارجة عن إطار الدرس الذي نحن فيه الليلة، لما قال له الملك اكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد فهل القلم كتب أمور القدرية العامة في الكون؟

على رأس كل مائة سنة سيأتي فلان وسيجري جفاف في نيل مصر وسيول في تركيا وثورة في كذا، كل التفاصيل الكونية هي المقصودة في اللوح المحفوظ أم التفاصيل الفردية الخاصة بي وبخالي وخالتك وزميلي وزميلتك، ويرى أهل السنة والجماعة أن ما كتب في اللوح المحفوظ كل ما هو كائن من أمور عامة كونية ومن أمور تفصيلية خاصة بحياتنا، ومن تفاصيل هذا المذهب ما ذكره بن رجب وابن كثير وشيخ الإسلام الإمام أحمد بن تيمية .

أجمعوا أن اللوح المحفوظ سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وأن الله تعالى استودع فيه كل شيء من قضايا عامة كتبها القلم أو من ناحية كتابية فصلها الله تعالى تفصيلاً، وأصبحت المعاني الآن أقرب ما تكون إلى الوضوح

كتب القلم كل شيء حتى ما كان قبل خلق القلم، فقال له اكتب ما كان أي هناك أشياء خلقها الله تعالى قبل أن يخلق القلم، ولن ندخل في غيبيات سوى أن تصدق بالإيمان بالقضاء والقدر وما يترتب عليه من قول حضرة سيدنا صلى الله عليه وسلم  .

(من مات على غير هذا فليس مني)

أي الذي لا يؤمن أن القلم كتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة فليس مني أي ليس من أمة الإسلام.

عن عبادة بن الصامت أخرجه ناصر السنة الإمام أحمد بن حنبل وهو عندي الصديق الثاني تتلمذت على مدرسته ومذهبه ومحبته والحديث ورد في المسند عن عبادة بن الصامت يوصي ابنه فقال (يا بني أوصيك أن تؤمن بالقدر خيره وشره) قال (وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أول ما خلق الله تعالى القلم) (وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة)

اعتقد أن الحديث الآن أصبح واضحاً أمام ناظريه، ولا ترضى لكن الجميل في هذا الحديث، وشرحت لك في الدرس الماضي لشخص كان عمله صالحاً جداً ثم أتى فيأخر حياته انحرف وانجرف، فدخل في عمل أهل النار وهذا كله موجود في القلم

في القلم ناس عاشوا في الجاهلية يكرهون الإسلام ويحاربونه حرباً شديداً ثم شاء الله له مع رحلة شقاء مع الشيطان أن يسلم

وأن يدخل بنوا أمية في دين الله أفواجاً وأن يحكموا العالم الإسلامي، وماذا لو بقي أبو سفيان على جاهليته وعلى تصديقه لغير الله لتغير الأمر تماماً، وهذه التحولات القلبية موجودة في اللوح المحفوظ

قال تعالى { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد - 39)

أي أن الله تعالى جمع كل شيء في أم الكتاب ليس لأن الله تعالى ينسى حاشاه ولكن الله تعالى جمع كل هذا في كتاب مرجعي للملائكة أولاً الذين يتابعون الإنسان، فكل منا له ورقة في اللوح المحفوظ .

اللوح المحفوظ يحتاج منا إلى محاضرات كثيرة جداً

لأجل هذا قال تعالى { مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(فاطر - 2)

القضايا القدرية التي لا يعترض بها أحد والله تعالى قدر لكم أمر تعتقد أنه شر فإذا به خير بعد ذلك.

لا تنسى قول الإمام (العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان)

الله تعالى يمنع عنك شيئاً لأنه غداً يدخر لك أفضل منها ألف مرة، فما كان العطاء من الله إلا كرماً وهكذا أجمع أهل السنة على أن الإيمان بالقدر يبعد عنك الكدر

قال تعالى {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ} (التوبة - 40)

قال تعالى { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير - 29)

كل المصائب مقدرة في كتاب من قبل أن نبرأها، ولأجل هذا لا مرجعية لهذا القدر إلا أن تؤمن به، والقدر المحتوم هو الذي أراده الله سبحانه وتعالى وأن ما أصابك لم يكن ليخطاك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

انتهى وقتنا ولم يتنه حظنا وموضوعات متصلة بالقضاء والقدر، و لا تقل إن الله فرض على المعصية ولا تقل إن الله تعالى كره إلى الصلاة فلماذا يعذبني، فكل هذه الأباطيل لابد أن تمحوها من الذاكرة تماماً وتأكد أن كتابك هو الذي كتبته بخطواتك، مستودعاً ربي دينكم وأعمالكم وخواتيم أعمالكم.

ادعو الله تعالى أن يكون شاهداً لي ولكم يوم القيامة

قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}  (الأحزاب - 56)

بين القرآن والأحاديث القدسية
درس رقم (12)

حديث

 (أول ما خلق الله تعالى)

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

(إن أول ما خلق الله القلم)

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

19-9-2018

 

تسجيل الدخول