كفى أن أقول لك رواه الإمام البخاري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، تواضع كل شيء لعزته واستسلم كل شيء لإرادته، والصلاة والسلام على خير الأخيار وإمام الأتقياء الأنقياء وعلى آلة وصحبه الغر الميامين.

أهلا بكم مشاهدينا الكرام في العالم كله محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة، هذا البرنامج الجديد يجمع ما بين القرآن والأحاديث القدسية وعنوانه (بين القرآن والأحاديث القدسية) وهو برنامج يتصل بالإعجاز في الأحاديث القدسية، ونحن بطبيعة الحال لا نختار من هذه الأحاديث القدسية إلا ما ثبت صحته لأن مجالها واسع ورحب ويخوض فيه الخائضون وفيه مجال لخداع كثير من الناس لكننا نلتزم بالمنهج العلمي الذي عليه أهل السنة والجماعة والسلف الصالح.

الأحاديث التي أتناولها في هذا البرنامج أحاديث صعبة ليست في روايتها أو طبيعة موضوعاتها، وإنما الصعوبة في جانب أخر وهو جانب تفسير هذه الأحاديث وتأويلها، وحديث اليوم والليلة يتصل بجانب إعجازي جديد على مسامعنا في تفسير الحديث والمعاني التي ينص عليها الحديث تبدو مربكة عند الناس الذين لا يعتقدون في الغيب أو عند الناس القدرية الذين يعتقدون أن القدر حتمي علينا في أمور لا نستطيع منها فكاك فنحاسب عيلها دون ذنب، أو الجبرية وكل هذه فئات ضالة الذين يعتقدون أن الإنسان مجبر على المعصية .

يعتقد كثيراً من الناس الله تعالى قدرها عليهم فلماذا يحاسبهم؟

نحن لا أقول على الحياد وإنما نحن على ما هو عليه أهل السنة والسلف الصالح على مدى الأمة كلها ، وإني على يقين تام إن هذه القضايا رغم أنها شائكة لكن العقل المسلم يقبل تأويلها دون شطط أو زيادة أو دون أن ندعي على الله تعالى ما لا يليق بجلاله خاصة في تقدير أمور يعتقد أن كثيراً من الناس الله تعالى قدرها عليهم فلماذا يحاسبهم ؟ هم يقولون إن الله تعالى كتب المعصية علينا فلماذا يحاسبنا عندما نقوم بالمعصية؟ هذا معنى ان هذه القضايا تعتبر شائكة .

لا يخفى عليكم في الدرس (11) الحديث الذي معنا ورد في البخاري ومسلم والترمذي ومسند الإمام أحمد وعليه إجماع كبير، الفضيلة يوضح هنا أنه حريص أن أطمأنك على أن جميع الأحاديث التي تذكر هنا في قناتكم الحبيبة كلها أحاديث موثقة من الصحيح، وحتى إذا كان بعضها لم يرد في البخاري أو مسلم فقد ورد عليها الإجماع في المسند أو كتب السنن أو الإمام أحمد وما دمنا نحترم السنة فلابد أن نؤكد على أن الأحاديث التي نقولها كلها صحيحة وهذا هو المنهج العلمي الذي ينبغي أن نسير عليه

لماذا أقدم لك حديث موضوع أو ضعيف؟

وإذا حدث أوضح لكم أنه ضعيف ومنطقة الضعف فيه، وبما أنني أستاذ جامعي متخصص باللغة العربية والعلوم الشرعية فأقتدى بالسلف الصالح الذين أفنوا حياتهم في تدقيق أحاديث حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المقدمة كنا في غنى عنها لو أننا نخاطب جماهير تؤمن بالسنة لكننا نخاطب جماهير متنوعة في ثقافتها وكثير من الناس عندهم قناعات مسبقة في قضايا معينة، فيجلسون أمامنا ما بين متربص وحاسد، أما الجمهور المعتقد في السنة فهؤلاء لا يحتاجون من إلى كثير إقناع ولا أظن أن في البخاري حديثاً واحداً ضعيفاً فهذا يستحيل.

دائماً ما يقول سماحة الدكتور أحمد عمر هاشم الذي عكف على شرح البخاري، قال فضيلته وسماحته (إن البخاري جمع السبعة الالف وخمسمائة حديث من بين أربعمائة ألف حديث كان يحفظها) وفي بعض الكتب كانت من ستمائة ألف حديثاً كان يحفظها، فهل لهذا المنجم العلمي أن يأخذ أحاديث ضعيفة، لذا فأنا أحزن حزناً شديداَ على من ينتقدون الإمام البخاري، وقد لاحظت أن الذين يهاجمون الإمام البخاري هم يريدون الإنقاص من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا هذه المقدمة؟

كي ينشرح صدرك لهذه الأحاديث فهذا يسهل الطريق علينا وعلى غيرنا، ولست في حاجة أن أقول لك رواه البخاري وكذا وهذه معلومة لابد أن يفيق الناس لها

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ

قال ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُوْنُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَم)

ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيْهِ الرٌّوْحَ، وَيَؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ.

فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ إِنََّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) رواه البخاري ومسلم.

كفى أن أقول لك رواه الإمام البخاري

الحديث واضح ومشرف لأنه يثبت قضايا مهمة في موضوع القضاء والقدر، والأمور هنا ليست وجهات نظر أو تأويلات علماء أو شطط في الفهم و عندنا مادة علمية سخية لمن يحبون أن يطلعوا عندنا لكي يدرسوا ويعايشوا هذه المعاني الجميلة على مسامعنا، فالحديث يبدو أمامك سهلاً لا مرية في سهولته لكنك ستفاجئ بأسئلة كثيرة جداً ممن لا يعتقدون بالإيمان بالقدر وصفة الخلق يبقى الجنين أربعين يوماً ولم يسم لكنه يكون عبارة عن دم سائل، فإذا أراد الله له الحياة فهذا الدم مشروع إنسان، ولو أجهضنا في هذه الفترة بما أنه لم يكتمل فهذا حرام؟ نعم حرام وهناك بعض الناس يقولون إن الاجهاض يجوز قبل ثلاث شهور من الحمل

قلنا لا في رأي علمي وطبي

قديماً وأنا صغير كنا نقرأ هذه الفتاوى لكن عندما درسنا وتخصصنا فعلمنا أن هذا الدم في أول سبعة أسابيع هو مشروع إنسان، أي لا يمكن أن تكون هناك علقة إلا بدم والمعنى أن الدم يتعقد، فأصبح في صورة علقة فيعلق بالرحم فهذه الرحم تقوي فتصير مضغة وهذه الفترة هذا يسمى مشروع إنسان كما يقول الأطباء والعلقة مشروع إنسان والمضغة مشروع إنسان، فما دامت الأجهزة الطبية أو السونار أثبت أنها حامل إن أجهضت فأنت في حكم قتل النفس ومن القدر أن تصدق أن مجرد ظهور كلمة حامل فلا يجوز الاجهاض مطلقا إلا في حالة خاصة في حالة الخطورة على المرأة، وهذا مما يقره الأطباء ولو أقر الأطباء شيئاً إجماعاً فلا تسأل علماء الدين فهم أهل الذكر في هذا الوقت، وهذه المعلومات يحتاج الناس لها لأنها تسد الطرق لمشاكل عائلية وأسرية يومية، ولو أن الرجل أمر المرأة أن تجهض نفسها لأمر في نفسه وأجرها على هذا فإنه يأثم إثماً كبيراً لأنه قتل نفساً حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق وهذا قتل بغير حق، ثم يبعث الله إليه الملك أي بعد أن يكتمل ويصير قطعة لحم

ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيْهِ الرٌّوْحَ، وَيَؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ.

هذه الأربع كل منها يحتاج مني إلى محاضرة

من الذي كتب نهاية العمل هو وأما الآجال فإنها محتومة، الله تعالى يبارك في الأعمار والأرزاق بقدرته وهو الملك

قال تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء - 23)

شقي أم سعيد فبعض الناس يقول إن الله هو من جعل مني قاطع طريق وعاصياً فلماذا يحاسبني؟ فيأتي رد النبي صلى الله عليه وسلم إجابة على سؤال السائل، فقال (إن خواتيم الأعمال بيدك أنت) أي شقاوتك وسعادتك على ما تختم به عملك

إِنََّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، أي أن خواتيم الأعمال هنا بما قضاه الإنسان على نفسه، فيعمل بعمل أهل انار فيدخلها .

فقال (فيعمل بعمل أهل النار) أي أن الله تعالى لا يفرض عليه شيئاً، لذا قلت لك أقرأ كتابك الذي كتبته بأعمالك والملكان الكريمان لم يكتبا إلا كتابة وصفية وهما لم يكذبا عليك في شيء ولم يزيدوا عليك شيئاً إلا إذا عملك أنت، والرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسه ثم رغب في توبة صادقة، فأراد الله تعالى له التوبة حتى قال له أحد العلماء أذهب إلى أرض لم يعصى فيها الله تعالى

فذهب ومات في نصف الطريق فقاسوا المسافة فوجوده أقرب إلى الأرض البكر فختم الله تعالى له بالخير ومات على توبة

هل كان صادق في توبته؟

نعم لأنه لم يبق في أرض فيها معصية، تخيل ذنباً كبيراً عظيماً كهذا، فقتل نفس واحدة يعادل الدنيا وما فيها ورغم هذا قتل مائة نفس ولو جلس مع نفسه وقال إن الله تعالى هو من أجبرني على المعاصي لما

(وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) رواه البخاري ومسلم.

وفجأة قال يا رب إني تبت إليك وودعت هذا الماضي الآثم، ففتح الله له باباً للتوبة عظيم فتاب والتوبة هنا من أين جاءت؟ جاءت منه هو فهو من لجأ إلى الله وتضرع إليه، وهذا الكلام يرد على أدعياء يقولون إن الله تعالى كتب المعصية علينا فلماذا يحاسبنا؟

إن المعاصي والآثام يفعلها البشر بجوارحهم والله تعالى لا يريد لعبد أن يغضبه أبداً

في هذا قال تعالى {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} (النساء - 27)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ الله أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْه

الحديث لم أقدم منه إلا القليل جداً لأنه يعد منجماً وكنزاً ثرياً لأقوال سيدنا صلى الله عليه وسلم، وكنا اليوم في صحبة حديث يتكلم عن صحبة الإنسان في بطن أمه والأمور القدرية التي عليها خلاف بين الناس، وبيان بحسن وسوء الخواتيم وهل هي منك أنت أم أن الله تعالى كتبها عليك وهذا ما شرحناه باقتصاد واقتار ولو طال وقتنا لازداد حبنا، ادعو الله تعالى أن يزيد هذه المعية والمباركة، كنا معكم وسنبقى معكم على طاعة محبة، مستودعاً ربي دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم

قال تعالى { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (الأحزاب - 56)

 

بين القرآن والأحاديث القدسية
درس رقم (11)

حديث

 (بداية خلق الانسان)

حديث عبد الله بن مسعود

بعنوان

(يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين ثم يكون علقة مثل ذلك)

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

19-9-2018

تسجيل الدخول