أبو هريرة كان مصاحباً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بعد حمد الله جل جلاله، والصلاة والسلام على خير الأنام ومفتاح دار السلام، وعلى آله وصحبه الكرام، يطيب لي أن أعود إليكم مدافعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة، في الفترة الأخيرة كثر الطاعنون على الصحابة رضي الله عنهم، وقد جعل الله لهذا الدين رجالاً وحراساً يحفظون بيضة الدين وبهجة الدين، وعندما ندافع عن الصحابة فإننا ندافع عن السنة؛ لأنهم هم الذين حملوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة جزء من تمام السيرة النبوية العطرة، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بحضرته فقط، والصحابة جزء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .

أبو هريرة رضي الله عنه نال هجوماً شديدًا من كل الحاقدين على الدين، ونحن اليوم ندافع عن حمى الإسلام وعن الصحابي الجليل، فلن نقول إلا حقًّا ولن نجعجع، ولن نرفع صوتنا، ولكننا سنحتاج لوقت طويل لكثرة اللجج الذي لجوا فيها في أبي هريرة رضي الله عنه .

لن تكفينا حلقة واحدة، وإنما سنحتاج إلى سلسلة لنتعقب الأشياء التي ظنوا أن أبا هريرة وقع فيها، وقضية قولهم: إن أبا هريرة كان يروي الأحاديث لكي يرتزق منها .

أبو هريرة كان مصاحباً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أبو هريرة عندنا من أشد الناس حفظاً، ويعد من الصحابة الأوائل الذين متعوا الأمة بذاكرة حديدية على المستوى البشري، وما كان يحفظه أبو هريرة وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك والسيدة عائشة يعد تراثاً فريدًا في الإسلام

في مقدمة الرواة لأحاديث سيدنا صلى الله عليه وسلم سترى أبا هريرة شيئاً عظيماً جدًّا، وهل اجتهاد الصحابة في كثرة المرويات عنه يعطينا إحساساً أو فهماً أنه كان كثير الكذب؟

لست أدري كيف فهموا أن كثرة الروايات والأحاديث التي ذكرها أبو هريرة يمكن أن تكون باباً لانتقاصه، ولم يلتفتوا إلى أن أبا هريرة كان مصاحباً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

من الطبيعي جدًّا وهو النهم الشغوف بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا الأمر تبياناً عن ذاكرة حديدية، ورغبة في حفظ الأحاديث .

أبو هريرة رضي الله عنه بدأ مع أهل الصفة، وأتى من اليمن مع الذين آمنوا من اليمن على يد الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، وفي أول العهود في المدينة وكان من الفقراء، فجلس مع أهل الصفة وكان شديد الذكاء شديد الحياء شديد الحرص، وهذه سمات ثابتة لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تعتقد أنه عندما نقول: إنه كان فقيراً أن هذا الفقر دفعه لأن يرتزق من السنة، ثم فتح الله عليه بعد ذلك، فأصبح من الأغنياء عندما ترقى في الوظائف والإمارات ما بين إمارة البحرين والمدينة .

لم تكن الإمارة مجالاً لحصد المال بقدر جهده في مصلحة الأمة، شهد الكثير من الغزوات مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها غزوة خيبر، وقاتل المرتدين في اليمامة وشهد معركة اليرموك في الشام .

أي: أنه شخصية بطولية بشكل كامل، وهو ليس رجلاً نكرة ينتظر النقود من الناس لكي يعطيهم من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما حرص أبي هريرة على طلب العلم فهذا أمر لا خلاف عليه؛ لأن العلم كان حياته، وكان مذهبه ومقصده، ليس أي علم وإنما العلم الشرعي .

فقال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية):

أي: لو كلمة واحدة يجب عليكم أن تبلغوها عنه صلى الله عليه وسلم، أما شغف أبي هريرة للعلم فهذا أمر لا خلاف عليه؛ لأنه كان يجاور النبي صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله .

عن أبي هريرة بلفظ: سألت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: ماذا ردّ إليك ربّك في الشّفاعة؟ فقال: ((والّذي نفس محمّد بيده، لقد ظننت أنّك أوّل من يسألني عن ذلك من أمّتي)) هنا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر مواهب أبي هريرة، وكان له مكان في قلب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم

فقال: ((والّذي نفس محمّد بيده، لقد ظننت أنّك أوّل من يسألني عن ذلك من أمّتي، لما رأيت من حرصك على العلم، والّذي نفس محمّد بيده ما يهمّني من انقصافهم على أبواب الجنّة أهمّ عندي من تمام شفاعتي)).

 ((وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلاّ الله مخلصًا يصدّق قلبه لسانه ولسانه قلبه)).

الأحاديث التي رواها أبو هريرة وجاءت في الصحيحين لا يستطيع أحد أن يقول: إنها ضعيفة:

كان أبو هريرة من أكثر الناس حرصًا على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .

عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ .

قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّهُنَّ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ)).

يرى المؤرخون أن أبا هريرة لم يترك فرصة واحدة لتعلم أحاديث النبي إلا اهتبلها، أي: تمسك بها، فالذاكرة الحافظة لآلاف الأحاديث جعلته مرجعاً للناس، أي: كان أي حديث يختلف الناس عليه يسألوه، ولأنه كان المرجع روى عنه ثمانمائة رجل، وليس خافياً عليكم أنه هناك راوٍ أعلى وراو غير أعلى، والراوي الأعلى هو الصحابي .

ولأنه كان المرجع روى عنه ثمانمائة رجل من التابعين نقلوا الأحاديث عن أبي هريرة .

كل كتب السنة مليئة بروايات أبي هريرة:

الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أخذ من أبي هريرة 3848 حديثًا فهل تشك في ناصر السنة؟ الإمام مالك وغيره أخذوا من أبي هريرة 2218 حديث، والصحيحين في البخاري ومسلم أخذوا من أبي هريرة 609 حديث اتفق الشيخان على 326 حديث متفق عليها بينهما، وبالتالي سنرى جيلًا كبيراً تعلم من أبي هريرة من التابعين، وتابعي التابعين، ومنتهى الموثوقية والمصداقية كانت موجودة فيه، وأثنى العلماء عليه؛ فقال محمد بن عمارة بن عمرو حين حضر مجلساً لأبي هريرة، وكان به مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل أبا هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله .

ارجع إلى سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي سترى أبا هريرة، ومعنا روايات كثيرة تشير إلى أن الصحابة كانوا يشيدون بأبي هريرة بالحفظ والصدق، فعندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب أحد سوى أبي هريرة فقال ((سبقكم بها الغلام الدوسي)).

قبيلة (دوس) كان يسودها الزنا والربا؛ فقال الطفيل بن عمرو عندما دخل في الإسلام ادع لهم يا رسول الله، فدعا لهم رسول الله، فاستجاب الله لسيدنا فجاءت القبيلة كلها مسلمة ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه .

 يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لأبي هريرة: ((أنت أعلمنا))، فإذا كان هؤلاء القوم يسبون ويلعنون أبا بكر وعمر، وأبا هريرة .

لو أخذنا هذا المنطق الأعوج الأعرج سنجد أنهم يطلقون التكفير على كل الصحابة:

قال تعالى: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } (الكهف - 5).

ابن عمر يقول: ((أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله وأحفظنا لحديثه)).

قال أبي بن كعب: ((كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم)).

وهذا ليس معناه أنه يتجرأ على مقام سيدنا، ولكن بمعنى أنه كان يسأله عن أشياء لا نقدر أن نسأله عنها .

قال الإمام الذهبي عن أبي هريرة: ((هو رأس في القرآن وفي السنة وفي الفقه)).

قال أبو صالح السمان رحمه الله تعالى: ((كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)).

قال الإمام الشافعي أستاذ الأمة في أبي هريرة: ((أبو هريرة أحفظ من روى الأحاديث في دهره)).

قال الإمام البخاري: ((روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الأحاديث في عصره)).

وعلى هذا لا بد أن نتفق جميعاً على أن أبا هريرة ليس شخصية عادية، فنحن اليوم في هذا الدرس قدمناً تعريفاً بأبي هريرة، ولقد انتهى الوقت، وأنا أطللت إطلالة خير على صحابي لم يكن الناس يعرفون عنه الفضل، أما الآن فقد نسبنا الفضل لأهله .

ماذا عندكم أيها المغرضون الحاقدون عن أبي هريرة :

سنعرف في الحلقة القادمة الشبهات التي قالوها عنه، هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، وستكون الدروس القادمة بها من العمق ما يتناسب مع القضايا الساخنة التي طرحوها، وكلها قضايا أشبه ما تكون بمحاولة إخفاء الفضل لأبي هريرة، ومحاولة تذكر عيوب لكي ينتقصوا بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

طابت أيامكم وأوقاتكم بحب الله وبحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: 56).

 

الدفاع عن السنة
درس رقم (70)

بعنوان

(الرد على الطاعنين في أبي هريرة رضي الله عنه)

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإسلامي الكبير

الاثنين 3-9-2018م

 

تسجيل الدخول