لماذا لا رهبانية في الإسلام؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يسعد قناة الفتح الفضائية أن تقدم لمشاهديها الكرام في العالم كله هذا الفاصل الجديد، قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}  
فاصل بعنوان (التبتل):

الحمد لله رب العالمين واسع الفضل والفيض والعطاء، لا يتعاظم عليه شيئاً في الأرض، ولا في السماء وهو السميع العليم، والصلاة والسلام على خير الأخيار، وإمام الأبرار وعلى آله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

جاءتنا أسئلة كثيرة عن معنى قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلً}.

 وهي جزء من آية كريمة في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} (المزمل - 8).

القرآن الكريم لا يوصينا بالانقطاع للعبادة أو الرهبانية التي ابتدعوها، والإنسان يبقى جالساً في معبدة العمر كله لا يتصل بحياة البشر، وإنما يندمج اندماجاً كاملاً في حالة كهنوتية إخباتية

بعضها يصح وبعض الناس يكمل في هذا المجال إلى آخر الطريق، وبعض الناس يتخذ هذه الرهبانية ستاراً دنيويًّا فثبت أن كثيراً منهم كان منحرفاً ومختلاً، فليس هذا المقام الذي أتكلم فيه عن الديانات الأخرى وعن الأخطاء في رهبانيتهم، وإنما أقول إنها ليست الرهبانية التي أوصى بها عيسى عليه السلام في رسالته .

قال صلى الله عليه وسلم: (لا رهبانية في الإسلام) أي: ليس عندنا في الإسلام انقطاع تام في العبادة، وقد يكون هذا مع بعض الناس لظروف حتمتها الحياة وجاء في الصحيح أنه كان هناك أخوان فذهب أحدهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال (إني محترف) أي: صاحب حرفة، (وأخي جالس في المسجد لا يعمل).

فقال صلى الله عليه وسلم في إجابة فريدة: ((لعلك ترزق به)) .

قد فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الجالس في المسجد سبب جلوسه أنه لا يجد فرصة عمل، والجالس في البيت ليس بالضرورة أن يكون جالسًا باختياره، فقال صلى الله عليه وسلم في إجابة فريدة: ((لعلك ترزق به)) .

هذا كلام في منتهى الاحترام لمن يطعمون العجزة في بيوتهم كما أسميتهم (البيوت المرحومة) .

الله تعالى يبارك في عمله لأجل هؤلاء، وربما الإنسان يعان ولا يعلم أسباب إعانته، قال صلى الله عليه وسلم في إجابة فريدة: ((لعلك ترزق به)) .

لابد أن يكون عند الإنسان هذا الفهم أنه يرزق لأجل أمه الضعيفة وأبيه الكسيح، وأخته الأرملة أو المطلقة، هنا يعمل بحب وعطاء فيعطي، فيبارك في عمله .

لماذا (لا رهبانية في الإسلام؟):

الإسلام حبب إليك الاختلاط بالناس حتى مع سيئات أخلاقهم وأنيابهم الزرقاء، ولكنك كما قال صلى الله عليه وسلم في البخاري في قوله لأبي ذر:

قال صلى الله عليه وسلم: ((الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)).

وجوده في ميدان الحياة مع إيذاء الناس لك هو تفريج وتخفيف عنك وعن سيئاتك ورفعت لدرجاتك .

قال صلى الله عليه وسلم: ((الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)).

لا زلت حتى الآن في المقدمة أما درسنا اليوم {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا } (المزمل - 8).

التبتل الكامل منهي عنه شرعاً، لأن عثمان بن مظعون رضي الله عنه عندما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (نقطع مذاكيرنا ونتفرغ للعبادة).

ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (المائدة - 87).

الرهبانية الكاملة والاعتكاف في عبادة مستمرة درجة عالية ولا يصبر عليها أحد، إلا من أراد أن يقطع نفسه عن الحياة وليس له صلة بالحياة واندماج الإنسان في الحياة هو ترقية وتعلية له عند الله تعالى، وتبتل إليه ذكراً وهذا هو سياق الآية الصحيح، فانتزاع الكلمات من السياق لا يؤدي المعنى كاملاً .

قال تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}  في مقام الذكر .

المعنى: إذا كنت في مقام الذكر فأنت في مقام التبتل ولا يجوز لك غير هذا .

حالة التبتل هي حالة إخباتية حضورية لقلب الإنسان عندما يفعل العبادة لا ينشغل ولا يتشتت، ولا يبعثر قلبه ويكون حاله في حال العبادة مع الله .

فقال تعالى: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج - 34).

قال تعالى: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } (الحج).

أي: هم في حالة الذكر والاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والإخبات لله .

التبتل: هو حضور القلب عند الذكر وعدم تشتيت الانتباه عن الله تعالى .

قال صلى الله عليه وسلم: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ)) فذكر منهم رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه .

كلمة (خالياً) أي: خلو المكان وأفضي مكان لنفسي في بيتي أذكر الله تعالى فيه، أي اجعل لله تعالى وقت فيك.

عندما يخلو قلبك مع الله يجب أن يكون قلبك لله فقط خالياً من أي مشتتات والذي يقدر على هذه الحالة على خلو قلبه لله تعالى وقتها فهو وصل إلى معنى { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا }.

التبتل هنا تبتل جزئي لمرحلة يرقي وينقي بها فؤاده ويتعلم على الصبر على الذكر وهي مرتبة عالية جدًّا جدًّا جدًّا.

قال تعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} (هود - 114).

أي: الذي يصل إلى مرحلة الذكر لو وقع في سيئات في هذه الحياة فإن ذكره لله تعالى يكفر له هذا الذنب .

(خالياً) أي: خالياً من أي هم أو أي كدر ومشتتات ويستشعر أنه في حالة من جلاء الصدر والقلب، وهذه الحالات التي قال عنها الشيخ الإمام: (الخلوة مفتاح لميدان الفكرة).

أي: أن الشخص في وضع لا بد أن يكون عنده الفكرة في أن يراجع نفسه مع الله ويتذكر عيوبه وسيئاته، ويراجع حاله مع القرآن والسنة والناس والحياة .

وأنت في زحمة الحياة والعمل ومع كثرة الأعباء وقلة النوم ليس عندك فرصة أن تشم نفسك مع الله، فأنت تحتاج إلى فترة زمنية وإن كانت قليلة لكنها مباركة، وإن كانت طويلة فإنها تزيدك نوراً وحلماً وعلماً .

لم أفرغ ما في جعبتي؛ لأن الآيات التي معنا في هذا الميدان تحتاج منا إلى وقت أطول من هذا، اللهم علمنا علماً ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، واسقنا حبك وبل ريقنا بذكره، اللهم اجعلنا وإياكم مع من قال عنهم الملك: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ }.

كلمة كثيراً تحتاج إلى تبتل ولكي تذكر بقوة وتعايش الذكر، ولا بد لك أن تكون كأبي هريرة يذكر الله تعالى في الليلة أربعين ألف مرة، وليس انقطاعًا كانقطاع عثمان بن مظعون رضي الله عنه

خذ من المعلومات ما يثبت قلبك بالإيمان؛ لأن القلب ينشغل ويتوه

فيصبح كريشة معلقة في الخلاء، والذي يثبته هو ذكر الله تعالى

قال تعالى: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (الأحزاب - 56).

 

 

فـــاصـــــل
بعنوان

(التبـــــــــــــــتل)

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإسلامي

الأربعاء 29-8-2018

 

تسجيل الدخول