الأحاسيس الوسواسية الباطلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد على دوام إنعامك، ولك الحمد على مزيد إحسانك، حمدًا يوافي نعماءك، ويكافئ مزيد فضلك، يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، وأمره بين الكاف والنون.

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82)} يس.

سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، سبحان من ذل كل شيء لعزته، سبحان من استسلم كل شيء لإرادته، سبحان من أضحك وأبكى، سبحان من أمات وأحيا، سبحان من خلق الزوجين الذكر والأنثى،     والصلاة والسلام على البشير النذير، السراج المنير، الصادق الوعد الأمين وعلى آله الأخيار، وصحابته الأبرار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم علمنا علمًا ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم أذقنا حلاوة العلم وحلاوة الخشوع وحلاوة الخشية، اللهم اجعله يوم فرج وساعة فرج، واجعلها أيام فرج، اللهم أذقنا في هذه الأيام برد الإيمان وعفو الرحمن، وعافنا فيها من الأوهام والأحزان، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وكن لنا ولا تكن علينا والطف بنا لطفًا يليق بجلالك وكمالك، أقسم بك عليك يا الله أن تجعلنا في روضة من رياض الجنة، اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة اغسل بها أحزاننا وداو بها مريضنا، وعاف بها سقيمنا، اللهم اصرف الداء عن كل ذي بلاء، يا كاشف البلاء، يا سامع النداء يا رب العالمين، درس اليوم هو الدرس السابع والأربعون .

اللهم اجعله خالصًا لوجهك الكريم، وشاهدًا لي ولكم يوم القيامة

الدرس السابع والأربعون "علاج الانهيار النفسي والعصبي "

 الإنسان ضعيف، ويستمد القوة من الله تعالى، إذا بقي الإنسان على ضعفه خاب وسقط، الإنسان يحتاج إلى مدعمات ومثبتات ومقويات عند الشدائد، أنت في كل الأوقات محتاج إلى الله تعالى.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} فاطر.

أنت محتاج إلى الله تعالى، وفقير إلى الله تعالى، وكلنا إلى الله تعالى أحوج.

{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...(53)} النحل.

عندما تشتد الأزمات الطاحنة على الإنسان، وعندما يستشعر أنه ضعيف ولا يقدر على مواجهة الأزمات في حياته، وعندما لا يقدر الإنسان وفي الوقت نفسه لا يستعين بالله تعالى؛ فيحدث له انتكاسة نفسية، وهزيمة نفسية وإحساس بالضعف والإحباط، يؤدي هذا إلى الاستسلام، وهذا الاستسلام نعبر عنه بالانهيار العصبي، الانهيار العصبي ليس معناه أن الإنسان دخل في مرحلة الجنون، أو في مرحلة الهيستيريا، وعندما ينهار الإنسان فإنه يصبح إنسانًا فاشلًا، لا يعطي نفعًا، ولا يزرع أرضًا، ولا يعمل عملًا، والحياة كلها تدور من حوله، ولكنه فقد القدرة على الأمل والعمل .

{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ... (77)} الكهف.

هذا الجدار من طوب يأتي عليه وقت لا يقدر أن يواجه الحياة، والإنسان من لحم وعظام هو أضعف ما على هذه الأرض ورغم ما يبدو لك من قوة مزيفة مع نفسك لكنك ضعيف .

صاحب الفضيلة: حدث مع ابنتي في صعيد مصر الطاهر توفي عنها زوجها، فأصبحت الحياة أمامها سوداء .

زوجها كان الماء والشراب والطعام الذي تحيا به، وكان أملها الذي يؤنس وحدتها، ويتكلم معها فمات، فبدأت هذه الزوجة تستشعر الفراغ، ولا أحد يلبي لها مطالبها والحياة معتمة أمامها، والمجتمع لم يسأل عنها، والمجتمع لم يحاول أن يحتويها فإذا بها تقول ((أحسست بحالة من الانهزام والاستسلام والنكسة والانهيار)).

انهارت هذه الزوجة انهيارًا تامًّا مع ضعف التدين وقلة الالتزام الشرعي، وعدم الالتزام بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الناس تشتد الأزمات والمصائب عليهم، فإنهم ينكسرون أمامها.

الانهزام يحدث من داخلك أنت:

يترتب على هذا أن الإنسان يفقد الأمل في الحياة، وليس عنده أمل أن يعيش، ولا أن يتفاعل مع الناس، وتسيطر عليه الأوهام، وتتغلب عليه الأحزان وتهزمه الكآبة الضغوط، فأصبح كقطعة من الأثاث، فأصبح لا يحرك ساكنًا، ويفعل خيرًا وانتهت صلاحيته والهزيمة من داخلك أنت ويحدث الانهيار بفعل فاعل، والفاعل هو أنت.

{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ..(165)} آل عمران 
صاحب الفضيلة: لعلي ضربت لكم مثلًا قبل عشر سنوات بهذا القائد العسكري الذي كان يدير أمر قومه، فانهزم قومه وجيشه، فيئس وانهار هذا القائد انهيارًا نفسيًّا، وتنحى ناحية الجبال ينتظر الموت، ويأس هذا القائد وبلاده اُحتلت وبُعثرت كرامة جيشه، ومُسح بكرامة بلاده الأرض، وعندما يئس هذا القائد وصل لحالة من الاحباط وكراهية الحياة والاحساس بالضعف والهوان.

قائد يتعلم من نملة:

رقي هذا القائد جبلًا، ورأى نملة تحاول أن تصعد لكي تأتي بحبة قمح، وهذا القائد فقد الأمل، واستولى عليه باعث الفشل عندما شاهد النملة تحاول صعود الجبل بعث الله تعالى فيه الأمل، وتحول هذا القائد من جدار إلى إنسان يبحث عن الأمل،      قال هذا القائد ((إذا بقيت هكذا سأموت وتخسرني بلادي وأنا عندي خبرة، وأستطيع تأسيس جيش من جديد)).

بالفعل تعلم هذا القائد من النملة أن الإنسان لا ينهار ولا ينهزم واستعان هذا القائد بالله تعالى وجمع جيشه، وأخذ يبعث فيهم الأمل ويقول لهم: إن الجيش الذي هزمنا ليس أقوى منا   والذي عنده الأمل يزرع الأمل، والذي عنده الفشل والكآبة ترى وجهه عابسًا قمطريرًا وتستشعر أن الدنيا انتهت، فاستطاع هذا القائد أن يخرج من حالة الانهيار والانكسار والاندثار وطهر هذا القائد بلاده وأنقذها، وأعاد إليها كرامتها وشرفها، فعندما ينهار الإنسان ويتعب وتغلبه الحياة وهو يقاوم إذا كان عنده روح وهمة عالية، ولقد رأيت الصحابة رضي الله عنهم وهم محاصرون يوم الخندق ولا يستطيع أحدهم أن يقضي حاجته، وكان عند الصحابة رضي الله عنهم أمل في الله تعالى وأمل في النصر من الله تعالى، ولم يطلب الصحابة رضي الله عنهم الموت ولم تخر قواهم ولم ينهزموا نفسيًّا، ورغم الظروف الحالكة قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ..(22)} الأحزاب.

وعدنا الله تعالى اننا سندخل في معاناة وشدة ومواجهة:

{وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا...(22)} الأحزاب.

الصحابة رضي الله عنهم لم ينهزموا، ولم يضيعوا ولم يُضيعوا من حولهم، ولكنهم استعانوا بالله تعالى فأعانهم وتبعثر الجيش المسلم يوم حنين في البداية، وتفرق عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الجيش يسير بين الجبال منتقلين من مكة إلى الطائف، وفجأة هجم العدو عليه الذي كان يختبئ في الجبال، فتبعثر المسلمون وتشتتوا، وكانت الحرب شديدة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  الشجاع لم ينهزم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يقول: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)).

كان الجو ضبابيًّا من كثرة الغبار والأتربة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((اعطني قبضة من تراب)).

تقدم أبو سفيان رضي الله عنه، وأخذ قبضة من تراب ووضعها في يد النبي صلى الله عليه وسلم،    قال النبي صلى الله عليه وسلم من الذي وضعها؟ فقال أبو سفيان رضي الله عنه أنا أخوك، ولما دخل أبو سفيان رضي الله عنه في الإسلام أذهب الله تعالى عنه الجاهلية، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بالتراب، وقال: شاهت الوجوه، فكان النصر من الله تعالى، ولم ينهزم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكسر، فعندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم صلبًا استمد العناية من الله تعالى .

عهدك بالله تعالى وخبرتك بالله تعالى أنه لا يخيب رجاء من قصده خاصة عند الشدائد والأزمات وعندما تقول: "يــــــا رب" يكون عندك إحساس بالطلب، ولا بد أن تكون في معية إيمانية على مدى أربع وعشرين ساعة.

هل يغيثك إلا الله تعالى ؟

{اللهم لاَ خَيْرَ إلا خَيْرُكَ وَلاَ طَيْرَ إلا طَيْرُكَ وَلاَ إله غيرك}

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ عند الرخاء)).

صلى أحد الناس صلاة متعجلة كرتونية، فقال له أحد السلف الصالح: "كأنك ليس لك عند الله تعالى حاجة".

لو أنك تحتاج الله تعالى حقًا لسجدت، وأطلت السجود وتعاطفت الأرض معك والملائكة معك لاستجاب الله تعالى لك.

هل من الممكن أن تنهار؟:

ذاكر أحد طلاب الثانوية العامة، وفوجئ باختلاف الدرجات عما كان يتوقع، ويبدأ الطالب أن يتقوقع ويفقد الرغبة في الحياة ولو تركناه فإنه سيبقى منهارًا العمر كله، ولو بحثنا عن حكيم أو عن معلم أو عن مربي يجلس بين يديه، وتقول له: هذا قدرك ونصيبك، ويبدأ هذا الإنسان يشعر أن لطمات القدر أرحم مما كان يقصد، ويسميها بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى "لطمات الرحمة".

من الذي يعلم الغيب؟ الله تعالى وإذا تركنا الذي ينهار فإن المجتمع كله سينهار، وإذا أخذنا بيد الذي ينهار لاستطعنا أن نقيم الجدار مرة ثانية، وكان هناك رجل عالم كبير، وتوفيت عنه زوجته وكانت هي الحياة كلها لا يعرف إلا هي، وفجأة ماتت واستشعر هذا العالم أن الشمس قد انطفأت فاعتكف، وأغلق على نفسه غرفة، وتقوقع هذا العالم وأصابه اكتئاب، وجلس في غرفة وحده لا يكلم أحد ولا يكلمه أحد، والاكتئاب له علاقة بالانهيار النفسي، ومن مظاهره ودخل هذا العالم في مرحلة اكتئاب وانطواء وعزله، ولو تركناه سيموت كمدًا وحزنًا، جاءته امرأة حكيمة، وظلت تطرق عليه الباب كثيرًا ومعها نسوة صالحات، وفتح هذا العالم لهن الباب، وقالت له المرأة: سأتكلم معك دقيقة واحدة، وقال لها: خيرا؟

لا يخفى عليكم أنه في حالة سيئة، وحالة حزن وليس في رونقه ولا طبيعته ولا في نضارة وجهه.

كيف نعيد له الحياة؟ وكيف نخرجه من حزنه؟

قالت له: أعطيتك أمانة كهذه الساعة، ثم جئت إليك بعد فترة وقلت لك: أرجع إلى الساعة، هل تعترض؟.

ومَا المالُ والأهْلُونَ إلاَّ وَدائع  ..  وَلا بُدَّ يَوْماً أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ

إن الله تعالى أعطاك وديعة، ثم أراد صاحبها أن يسترد أمانته أتعترض عليه؟

فهم هذا العالم كأنه كان في غفلة وفي حاجة إلى من يذكره وتذكر، اللهم قدر لنا ولكم الخير كله، وقد يبدو الأمر عندك شرًّا ولكنها خير لك عند الله تعالى.

لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة:

 وحين دخل النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً فمنعه أهل مكة وهو ليس معه سلاح، وقالوا لن يدخلها محمد أبداً، ولا بد أن يعود محمد كما أتى قد يبدو هذا بالنسبة لك شرّا، النبي صلى الله عليه وسلم كان معه 1450 صحابياً وصحابية أتوا لكي يدخلوا مكة معتمرين ليسوا بمحاربين، وقد يبدو الأمر عندك شرًّا، ولكنها خير لك عند الله تعالى فعاد صلى الله عليه وسلم مستسلماً لأمر الله لا لأمرهم.

وهو في الطريق راجع نزل عليه قوله تعالى :
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا }(الفتح-1).

وقال لهم صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جاعل لنا مخرجاً))، فمرت سنه ونصف في العام الثامن.

ففي العام الثامن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاتحاً، وكان معه عشرة الآلاف، فكانوا لو قالوا: الله أكبر زلزلوا جبال السعودية كلها، والصبر على البلاء مقدمة للفرج  والرضا بالقضاء مقدمة للفرج وأنت ترمي ولا تدري أين الرمي.

قال تعالى: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ} (الأنفال -17).

زرع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه المفاهيم الإيمانية، ويزرع بهم الأمل، وسيدنا عمر رضي الله عنه قال: (ألم تقل لي إنك تأتي البيت وتطوف بالبيت؟).

النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم في وجه عمر رضي الله عنه، فكان إذا ابتسم خرج النور من فمه، فهدأ عمر.

لا تنفعل على أحد منفعل انتظر حتى يخرج شحنته كلها:

 فقال له صلى الله عليه وسلم: هل قلت لك يا عمر إنك تأتي البيت هذا العام؟

قال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}(الفتح-27).

استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يمتص غضب الصحابة ويقول لهم: إن الله لا يخلف الميعاد، ولعل مرضك الذي جعلك قعيداً هو فرج لك في المستقبل، ولعل حبيبك الذي مات ادخر الله له في الآخرة أكثر من الدنيا؛ لأنه كان في الدنيا في حالة كبد والآن نقول انتقل إلى رحمة الله .

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}  (الكهف).

الزلازل الحياتية غير المتوقعة تجعل بعض الناس يتذبذون ويتزلزلون:

 وقد يرتدون عن الإسلام وقد ينتحرون ويصيبهم الجنون، والإنسان لا يكون عنده رصيد إيمان ورضا، فإن إيمانه يخور ويضعف إلى أن يصل أحدهم أن يكفر بالله وهذه الزلازل جعلت أحدهم حين سقط ابنه من فوق السطح فمات، فذهب إليه الناس لتعزيته، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني لأنه أصبح رفيق الجنة ونزيل الله رب العالمين، فقال: (الحمد لله على ما أعطيت والحمد لله على ما أبقيت).

وبعد يومين حدثت له غرغرينة، وقام ببتر قدمه فذهب إليه الناس.

     فقال لهم: (إني أحمد الله تعالى، فأقول: اللهم إني كان لي ولدان فأخذت أحدهما، وتركت الآخر، فلك الحمد على ما أخذت، ولك الحمد على ما أعطيت، وإنك أعطيتني رجلين فأخذت أحدهما وتركت الأخرى فلك الحمد على ما أعطيت ولك الحمد على ما أبقيت).

 والانفعالات الزائدة تدل على قلة العقل وقلة اليقين بالله، ولن يرجع الملك في أحكامه لأنه ما اختار لك إلا الخير.

قال تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } (القصص-68).

كلما تعاظمت المشاكل والزلازل فلن تجد إلا ملاذاً واحداً هو إني توكلت على الله، وعندما تشتد عليك هذه الزلازل وهذه الأزمات انظر إلى السماء ولا تنظر إلى الأرض فإذا نظرت إلى السماء رأيت فيها سعة رحمة الله .

الله تعالى زرق السماء ولم يجعلها خضراء ولا حمراء ولا سوداء وإنما جعلها صافية لكي تراها فيصفو فؤادك ويعالج صدورك.

    { قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ }(يونس-101)

كان إذا نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء فيقول
 (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار).

الله تعالى يعطيك منهجا علاجيًّا، ويقول لك: انظر إلى السماوات سترى علاجاً، استغرق في النظر لعظمة الملك تخرج من الضائقة التي عندك .

قال تعالى: { قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }(يونس-101).

الخروج من الضائقة قوله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة).

الذي ينهار نفسياً ويفر من الحياة لا يستطيع أن يرفع يده كي يقول: يا رب لأن عواطفه مشلولة وهمته صفر.

ولو استهدى بالله لهداه ولو صلى الفجر حاضراً وشم الهواء النظيف الخالي من المعاصي.

   الأحاسيس الوسواسية الباطلة:

إذا استسلم الإنسان له تتحول إلى وساوس سمعية وبصرية وفي هذه الحالة أصبح الإنسان غير قادر على أن يسيطر على أعصابه، وإذا بقيت قويًّا بالله تسيطر على نفسك، فكلما ضعفت تستشعر أنك عبارة عن أجزاء منفصلة عن بعضها وكأني لا أرى أمامي والحياة بالنسبة لي شيء جميل والآن الحياة أصبحت سواداً، لأن الإنسان اكتئب واستسلم وانزوى ولن يقاوم، قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا أحدكم ربه فليعزم في المسألة)).

الذي عنده انهيار نفسي لو عزم في المسألة وخرج من مرحلة الغرق وأخذنا بيده وهو أخذ بيد نفسه، ساعد نفسك أولاً والضعف والانهيار يأتيان من داخلك ومفاهيم الفشل والضياع التي ضربها الشيطان عليك وزرعها فيك لا بد من الخروج منها.

وعندنا في التاريخ الإسلامي حكايات وعبر وقصص لا تنتهي، فكثير من الناس الذين استصعبت الظروف والحياة عليهم .

محمد الفاتح لم يفتح القسطنطينية في يوم وليلة أو ضربة حظ، لكنه ظل يحاول مئات المرات بدون أن يشعر به أحد .

إن الله يراكم ويرى اجتهادكم لكن الناس يعيشون في وهم و90% منكم يعتقد أنه سحر ومس، ثم يتبين لك بعد أن تجلس معي أنك ليس عندك شيء .

رسول الله صلى الله عليه وسلم علمك أن عزيمة الدعاء خروج من الأزمة، قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا أحدكم ربه فليعزم في المسألة)).

لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم

حين تشعر أن هذا الكلام وصل مسامع قلبك، فهذا وقت الفرج لا إله إلا الله الحليم العظيم السماوات ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم تجد أحاديث فك هم المكروب.

قال سيدنا يونس عليه السلام: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

لكي تخرج من الأزمة فلا بد أن تستشعرها، فأنت تحتاج إلى عزيمة ويقظة مع الله تعالى .

دعوة أخي يونس عليه السلام: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

مفاتيح الفرج عند الله أوسع بكثير مما قد تتخيل، وهذا الذي ضيع كثيراً من الناس، ولو أنهم عندهم عزيمة في الدعاء والرجاء ورغبة في الخروج من الحالة لتبدلت حالتهم.

قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ}(محمد – 21).

إذا رأى الله تعالى فيك صدق الإلحاح والرجاء وقشعريرة في بدنك وإحساسا بالأزمة، والله لا يردك ولكننا كلنا من النادر أن نصل إلى هذه الحالة.

قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} (محمد – 21).

إذا وصلت لحالة زلزلة ومعايشة وربانية وإخبات لله وكأنك ترى الفرج أمامك اعلم أن الله فرج عنك الآن و    الناس يحدث لها حالة من الرهاب الاجتماعي، وهو في حالة خذلان وحين تشعر أنك مريض وتستجير بالملك سترى الفرج وإن الله تعالى سيأخذ بيدك لا محالة .

قال تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ}
(البقرة -249
).

ربما كان الكلام صعباً عليكم لكنها نوبة صحيان وما كانت هذه المحاضرات إلا زراعة للأمل.

قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} (آل عمران -160).

إن الله لن ينصرك إلا إذا طلبت النصر وكان صلى الله عليه وسلم إذا فزعه أمر صلى، أي: اتصل بالله تعالى والخروج من حالة الانهيار إلى نوبة الصحيان تحتاج إلى همة وعزيمة ويقين وزلزلة في قلبك وثقة في ربك، و      لا بد أن تتقي نفسك: (الوقاية والعلاج).

لماذا ينهار الجدار؟ لأنه ضعيف ولا بد من تقويته لكي يكمل الحياة معنا .

مطلوب منك أن تقول مع نفسك: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

لماذا تنهار؟ لأنك لا تعرف أن تواجه الأزمة ولو واجهتها في وقتها لانتهت الأزمة والسكينة التي يفتقدها مجتمعنا في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ " (الفتح – 4).

السكينة لا تنزل إلا مع من استعد لها:

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } (الفتح – 4).

أي أن السكينة تحتاج إلى قلب مؤمن يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره     وستوزع عليكم السكينة على قدر إيمان كل منكم بالله.

    قال تعالى: { نزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ}.

السكينة من جنود الله:

 وكل منا في حاجه إلى جند من جنود الله لكي يخرج من حالته ولكل هذه الحالات والمشاكل تحتاج إلى أن تأخذ بيد نفسك قبل أن نأخذ بيدك، فإذا ما أمسكت أيدينا بيدك، فإن يد الله معنا وقدرته معنا، وهذا حال كثيرين من الناس قد يحتويه المرض ويقول لك: أن ليس بي أي شيء ولو واجهت المشكلة لأعانك الله .

اللهم كن لنا ولا تكن علينا، وخذ بأيدنا إليك أخذ الكرام عليك، وهون علينا كل صعب، اللهم أبعد عنا الوسوسة والاكتئاب والأحزان وقونا، وقو بنا وانصرنا وانصر بنا، وأيدنا وأيد بنا.

اللهم كن لنا عوناً وسنداً وناصراً وظهيراً، واجعل حالنا معك وأنسنا إليك، اللهم فرجها علينا في هذه الأيام العظيمة وأيام لبيك، فرجها علينا وأغثنا يا الله، واحمنا يا الله، واحفظنا يا الله بعينك التي لا تنام، وكنفك الذي لا يضام وقدرتك في الليل والنهار، أقسم بك عليك لكل من تابعنا وشاهدنا أن تكشف عنا وعنكم، اللهم اكشف الضر العظيم والداء اللعين والكرب العظيم.

اللهم اصرف عنا كل بلاء ونجنا من كل بلاء، اللهم إنا نسألك نوراً ليس بعده ظلمات، وصلاحاً ليس بعده طلاح، وهداية ليس بعدها إعوجاج،   اللهم إنا نسألك عافية لا تبلى ونوراً لا ينقطع وصلاحاً دائماً، اللهم إنا توكلنا عليك فخفف عنا ما نحن فيه، واكشف عنا ما نحن فيه بنور وجهك بنور وجهك اجعلها ساعة أمل وساعة فرج، اللهم لا تمكن منا الحاقدين والغاشمين، اللهم يا من نصره قريب وفرجه قريب ونصره أكيد ففرجها يا رب العالمين، اللهم اجعلها ساعة فرج يا رب العالمين.

 

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} الأحزاب.

 

 

ينابيع الأمل

الدرس  رقم (47)

بعنوان

(علاج الانهيار النفسي والعصبي)

 

فضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإسلامي

 

الإثنين 7/8/2018 م

 

تسجيل الدخول