طريق الالتزام والاستقامة ليس سهلاً

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، لك الحمد على القرآن، ولك الحمد على سنة النبي صلى الله عليه وسلم خير الأنام، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، اللهم صل أفضل صلاة وأزكى سلام على سيد الأتقياء وإمام النبلاء وسيد الشفعاء وعلى آله وصحبه أجمعين .

درس اليوم هو استكمال لبيان أخلاق المؤمنين وأخلاق المنافقين والمقارنة بين أخلاق المؤمنين والكافرين.

قال تعالى { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)} (النساء).

أنوار التفسير (645) تفسير الآية (140) من سورة النساء، ومن النادر أن تبدأ الآيات القرآنية بجمل فعلية، وهنا القرآن يستعرض أخلاق المنافقين .

قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا}(النساء-140).

قال تعالى {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } (النساء -140)

هذه الآية تحتار فيها الأفهام

قال تعالى { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}.

 الكتاب هنا قد يكون المراد به القرآن الكريم ويمكن أن يكون الميثاق الذي جعله الله للناس جميعاً، ويمكن أن يكون اللوح المحفوظ والآيات تحتمل تفسيرات كثيرة ليست متعارضة وإنما هي متقاربة في الأساس.

قال تعالى { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} الكتاب هنا بمعنى القرآن.

قال تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } (الكهف-1).

في المصحف كله سترى أن الكتاب يأتي بمعنى القرآن واللوح المحفوظ

قال تعالى {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ } (الأنعام-38).

كل تفسير له أدلته التي يقوم عليه

قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} (قد) على سبيل التحقيق، أي نزل عليكم في الكتاب أحكام وتعليمات قاطعة وأهم هذه التعليمات هو
(المنهج الوقائي) أي كن بعيداً عن طريق المعاصي، وأهم شيء في المنهج الرباني هو عدم التلوث.

قال تعالى: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ }
المنهج القرآني يقوم على قوله تعالى { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا}.

فالمطلوب منك {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ }
إذا وجدتم أناس يسبون الله ورسوله وجب عليكم الإعراض عنهم، وإذا كنت وداناً أي تعطي أذنيك لغيرك فقد خرج الإيمان من قلبك.

الآذان التي ركبت رادارات معاصي لكي يسمع المعاصي هذه الآذان قلوبها فاسدة، لأنها منشغلة عن الله، وإذا انشغلت بالناس فستنشغل عن رب الناس، قال صلى الله عليه وسلم (لا تحدثوني عن أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا منشرح الصدر).

الانشغال عن الله وخلقه هو أول التوهان والانحطاط

قال صلى الله عليه وسلم (لا تحدثوني عن أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا منشرح الصدر).

القرآن الكريم يقول لك لابد أن تظل نظيفاً مع الله ولا تلوث سمعك ولا بصرك.

قال تعالى {  وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }
المنهج الإيماني يقوم على الوقائية

 المنهج الإيماني يقوم على الوقائية أي عدم الاندماج في المعاصي والعصمة عن الذنوب أفضل من طلب التوبة والابتعاد عن المعاصي أفضل من طلب التوبة، وطلبك للمعاصي باعد بينك وبين طريق التوبة

لكي ترجع إلى الله تحتاج إلى غسيل ومراحل صعبة جداً.

قال تعالى {  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } (الأنعام - 68).

الذين يتجاوزون في حدودهم مع الله هم ظالمون في الأساس وهم
{ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا } (الأنعام-68).

قال تعالى { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} (الأنعام-68).

إذا اقتربت من هؤلاء الناس فقد دخلت في نار الله الموقدة .

قال تعالى {  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} هذا هو المنهج الوقائي، وما داموا هم في معصية فلا ينبغي أن تندمج معهم في المعصية.

قال تعالى {  فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا} كلمة (يخوضوا) كلمة صعبة لا تأتي إلا في أشياء غير كريمة وبدل أن تأتي فلماً قبيحاً يترتب عليه إثارة الشهوة فيجب عليك أن تتجنب هذا من الأساس ولابد أن تبحث عن رفقة صالحة تخوفك من الله تعالى .

قال الشيخ الإمام: (لا تصحبن إلا من ينهض بك حاله ويدلك على الله مقاله) لو جلست مع مشيشين حشاشين ستخرج، وأنت رائحة ملابسك غير طيبة رغم أنك ما شاركت معهم.

قال تعالى {  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ } (الأنعام-68).

قال تعالى {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام-68).

أي إذا استحوذ الشيطان عليك وجلست معهم وقلت: إنها ساعة حظ وساعة رحرحرة وبحبحة.

قال تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } (القصص- 55).

الفضيلة يهرب من مجالس اللغو

هذا المنهج أنا ملتزم به شخصياً طيلة حياتي وأراحني كثيراً جداً، لأنه حدد لي أني لا أجالس رفقة سيئة أبداً ولو شعرت أن الناس الذين أجالسهم سيبدؤون في الانحراف عن المنهج الإيماني أهرب منهم واتفلت بسرعة

هذا منهج تعلمناه من حضرة سيدنا صلى الله عليه وسلم في تحبيبه إلى الجليس الصالح، وتحذيره من الجليس السوء، دائماً عقيدتي (لا تصحبن إلا من ينهض بك حاله ويدلك على الله مقاله).

إذا صاحبت الأبرار، وطلبوا مني أن أحمل جبلاً لحملته وأنا مستريح ولو صاحبت الفجار وأكلوني أطيب الطعام وألبسوني أطيب الديباج ما لبسته

كثير من الناس يعملون في أماكن بها معصية وفجور وشركات تحض الناس على المعاصي والذي يتنازل مره سيتنازل طيلة عمره .

(احذر أن يراك الله تعالى حيث نهاك واحذر أن يفتقدك حيث أمرك).

 

إذا زاغ الشخص قليلاً يمكن له أن يرجع بسرعة

قال تعالى { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ } أي إذا غفلت مرة ورأيت نفسك جالست هؤلاء، وهناك طائفة تسمى (الشامتون) وهؤلاء لا يوجد عندهم رحمة على الناس ولا حنيه على المجتمع ويتلقفون عيوبهم والجلوس مع هذه النوعية الفظة الغليظة تقسي القلب، وما أسهل أن تتفلت ستعرف شخص من الضالين سيعلمك الافتراء على الله، هذه الأخت السورية التي قالت: إن زوجها كان من الصوّامين القوّامين فجالس امرأة لعوب فلعبت بقلبه فشدته إلى بحور المعاصي، فما وجدناه مع الذاكرين ولا الصائمين ولا الخاشعين، ولكننا وجدناه مع الخاسرين المعرضين المذبذبين وأصعب شيئاً أن يراك الملك حيث نهاك.

طريق الالتزام والاستقامة ليس سهلاً

لذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله (شاب نشأ في طاعة الله).

هذا الشاب شبّ على طاعة ويموت على طاعة والذي أسميه
(الشاب اليوسفي) وهو الذي لو اجتمعت كل المعاصي وكل أدوات الفسق أمامه مجاناً ما اقترب منها.

يقول (ابن تيمية): إنه لو وقع في المعصية ما لامه أحد، لأنه مجبر عليه والحالة اليوسوفية حالة عالية جداً لا تقبل الإغراءات، ولا يمكن لابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أن يقع في المعصية.

قال تعالى { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)}

طريق المعاصي سهل وغير مكلف وطريق الالتزام مكلف، لأنه مطلوب منك أن تبقى ملتزماً العمر كله ولا تغضب الجبار، قال صلى الله عليه وسلم (حفت الجنة بالمكاره).

الطريق إلى الجنة صعب

الأشياء الصعبة التي تمنع نفسك منها هي التي توصلك إلى الجنة .

قال صلى الله عليه وسلم (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)

قال تعالى {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} (يوسف - 33)

قال تعالى {  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)} (يوسف).

شارب الخمر وسيدنا عمر بن عبد العزيز

في عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه جيء له بمجموعة من الشباب كانوا يشربون الخمر، فقال أحدهم: أنا لم أكن أشرب الخمر وكنت صائما، فقال له أمير المؤمنين: ولم كنت جالسًا معهم؟ وطبق عليه مثل ما طبق عليهم وجلوسك في أماكن الضلال جعله في أماكن لا يحب أن يراك الله فيها.

قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)}

قال تعالى { فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } (النساء-140).

الله تعالى يقول لك حتى لو جلست معهم، وأنت نظيف أصبحت منهم لأنك رضيت بأقوالهم.

قال تعالى { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } كيف؟ لأنك رضيت بأقوالهم والمنهج لابد أن يكون واضحاً كشخص جلس باختياره مع قوم ضالين فاستباح عذرية نفسه ولقد رأيت جماعات من التبليغ والدعوة في إيطاليا أتوا من باكستان

وكانوا مجموعة من الناس الكبار الذين فاقوا السبعين سنة وكانوا يصلون معنا في المركز الإسلامي في كتشينا جوبا وكانوا يصلون الفجر وبعد الفجر ينطلقون في إيطاليا ويذهبون إلى أماكن كثيرة .

التبشير في هذه البلاد منتشر بقوة

الكثير من الناس هناك يدعون إلى النصرانية بكل قوة وكثير يضيعون من أبنائنا، فينتشر هؤلاء الباكستان، ويذهبون إلى الناس ويجلسون معهم ويبدأ في إخراج كتاب من جيبه بكل هدوء يعرف بالإسلام ويقول لهم: ما رأيكم في الإسلام؟ وكان لا يمر يوم كما شاهدت بنفسي عليهم إلا ويدخل خمسون رجلا، لكن الذي يتوه مع التائهين ويتوه مع التائهين ويضيع الصلاة مع الغافلين وتمر عليه الأوقات والأوقات ولا يصلي وينام جيفة ويقوم نتناً قال تعالى فيهم {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}.

المحبون الذين أحبوا الله ورسوله لا يستطيعون أن يجلسوا في بيئة بها معاصي مهما كلفهم ذلك وكثير من الناس يذهبون إلى أماكن للعمل فيها فيجد بها آثار المعاصي فلا يكمل بالمكان يوماً واحد مخافة أن يحلّ عليه غضب الرحمن.

قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} أي كلام واضح وصريح لا خلاف عليه.

قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.

عندنا في اللغة تتابع الأفعال وتلاحظ في سورة النساء سرعة الإيقاع ومليئة بالأفعال لسرعة الوقوع في المعاصي.

قال تعالى {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ }.

الأفعال هي كثرة تتابع الأمور وتشابك المعاصي، وأن الشيطان يشتد عليهم.

القرآن يقول لك { فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} أي لا تقل سأجرب.

قال تعالى {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}  أي لعل الله أن يهديهم وهنا تحول مع هؤلاء لمن يرد الله أن يطهر قلوبهم .

قال تعالى {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ }. أي مثلهم في خمسة أشياء:

  الأمر الأول (التواطؤ والموافقة على المعصية معصية).

الأمر الثاني (التشبه بالطلاح يجعلك مثلهم).

الأمر الثالث (الرفقة السيئة تسهل عليك المعصية).

الأمر الرابع (لأنكم سلكتم أفعالاً وفعلتم معاصي ما كان لكم أن تأتوها).

الأمر الخامس (لأنكم صرتم شياطين مثلهم).

اهرب من مجلس السوء

هذا المنهج التحذيري في القرآن الكريم لن تجد له مثيلاً، لأنه في منتهى الجمال والدقة والابتعاد عن العاصين كي لا تتلوث بهم، فإذا مررت على أماكن الظالمين ومراتعهم اجري واهرب.

قال تعالى {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (هود - 113).

أي لا تفكر حتى في أن تركن فقط بجوارهم وحين تكون في عرفات الله وأنت خارج من عرفات إلى مزدلفة ليلة العيد، فتمر على وادي محسر وهو قبل مزدلفة.

(محسر) أي مكان حسر الله فيه أبرهة ابن الصباح الذي كان يريد هدم الكعبة، أمرك الله تعالى أن تسرع في هذا المكان، لأنه كان مرتعًا للظالمين. إذا جئت إلى هذا المكان فسرع الخطى كي لا يصيبكم ما أصابهم، والله يأمرنا بعدم الاقتراب من أماكن الظالمين في حياتهم ولا بعد انتقالهم.

قال تعالى {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} (هود - 89).

قال تعالى { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} (الحج-18).

أصعب جملة في سورة النساء

أصعب جملة في سورة النساء كلها هي هذه الجملة (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) لأنها حكم صعب جداً، وقد تجمعك الحياة بأناس يسبون الإسلام، ولو ظللت جالس معهم فإنك إذا مثلهم، فإذا أردت أن تقنعه فلن يقتنع بشيء، لأن أبواب الهداية مسدودة أمامه منذ زمن.

قال تعالى {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ}.

اسم الله الجامع شدني كثير في حياتي وهو اسم عجيب جداً، وكل ما في الحياة هو تجميع من الله وهو عجيب في تركيب الكون وله أسرار وأنوار

 إن طال بنا الزمان سنعيش مع اسم الله (الجامع) ذات يوم وذات مساء.

قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}(النساء-140).

لماذا قدم الله المنافقين على الكافرين؟

فقدّم المنافقين على الكافرين لخطورة المنافق، لأن موقفه غير واضح ولا ندري أنه ضد الإسلام.

قال تعالى: { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ }(البقرة - 286).

قال تعالى {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } (البقرة - 286).

قال تعالى { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }.

قال تعالى { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ } (الأنعام -19).

أنوار التفسير
درس (645)

   تفسير الآية (140) من سورة النساء

الأربعاء 1-8-2018

 لفضيلة الأستاذ الدكتور / أحمد عبده عوض             
  الداعية والمفكر الإسلامي الكبير

 

 

تسجيل الدخول