الرجل الصالح ليس هو الذي يستأثر نفسه بالصالحات، ولكن الذي يفرح الناس

 

بسم الرحمن الرحيم

 

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}

اللهم لك الحمد على سابغ إنعامك ومزيد إحسانك، عطي المزيد وتفعل ما تريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون والصلاة والسلام على سيد الأبرار وإمام الأخيار وعلى آله وصحبه الغر الميامين

نسعد بكم في حكمة اليوم وهي حكمة في أدب السلوك إلى الله

 فريدة من نوعها لأنها حكمة عمرية من واقع حياة الصالحين الكبار.

لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، ولم يكن فقط أمير المؤمنين ومن كبار الملهمين، وإنما كان آية في العطاء للناس في حب الناس والتعامل معهم، سيدنا عمر رضي الله عنه كان يفعل أشياء ليست له، لكونه أمير المؤمنين، وكان يفعل أشياء ربما تتناسب مع الناس العوام والبسطاء

استشعار المسؤولية عند سيدنا عمر رضي الله عنه يجعله يتحمل كثيراً مما تنوء به الجبال:

كان يرى عجوزاً يحمل مكتلاً يصعب عليها حمله، فيتقدم عمر رضي الله عنه ويحمل الحمل عنها والمرأة ضاحكة شاكرة له تعبر عن امتنانها له، وعن إحساسها بالجميل .

 فتقول له: ((أثابك الله الخير يا بني , إنك لأحق بالخلافة من عمر)).

والذي يحمل عنها هو عمر، فيبتسم عمر رضي الله تعالى عنه

حالة من التجرد والإخلاص:

 الزائدين اللذين لا ينطبقان إلا على رجل في عظمة وعطاء سيدنا عمر رضي الله عنه والذي كان يتبارى مع الصديق في الأسبقية إلى فعل الخيرات .

كل منهما كان يتسابق ويتسابق لكي يتعب من سيأتي بعده، والله إنها لأمانة , والله إنها لرسالة قوية تنوء بها الجبال

بشر صاحبك بغلام:

ربما معناها ليس واضحاً في معنى الحكم المباشرة التي اعتدنا عليها، ولكنها جملة مأخوذة من قصة وهي أن عمر كان عائداً من صلاة الفجر ووجد كوخاً لأناس أغراب، ليسوا من أهل المدينة، فتقدم عمر رضي الله عنه، فوجد رجلاً على باب الكوخ كاسفاً زعلاناً وامرأة يسمع عمر صوت بكائها؛ لأنها كانت في ولادة متأخرة، وسيدنا عمر رضي الله عنه لم يكن في حاجة لأحد يذكره، فوجد موقف عجز للرجل، وتعب للمرأة، فظل يجري إلى أن وصل إلى بيته وزوجته أم كلثوم.

 ثم يبادرها: ((هل لك في خير ساقه الله إليك)) فقالت: نعم، فأخذها، وذهب إلى بيت المال وحمل جوالاً من الدقيق على عاتقه وجوالًا آخر من الخيرات التي تحتاجها المرأة بعد الولادة، ولك أن تتخيل في مهابة سيدنا عمر، وهو أمير المؤمنين ورئيس الدولة، ويحمل على كتفيه ما استمعت إليه، وهو من الشخصيات العظيمة التي ليست عندها تكبر وأنفسهم تنزوي وتختفي في سبيل مصلحة المسلمين .

عمر رضي الله عنه ربى نفسه على هذا وأسلوبه ليس أسلوباً متكلفاً وظل يسير عمر رضي الله عنه في شوارع المدينة، وزيد ابن أسلم يقول له هل أحمل عنك فيرد عليه عمر، ومن يحمل عني يوم القيامة، حتى يصل سيدنا عمر رضي الله عنه إلى البيت، وينزل ما عليه من الأحمال ثم يقول لزوجته تقدمي إلى داخل الكوخ لكي تولد المرآة وظلت زوجته تمرضها وتطببها، وسيدنا عمر بالخارج يصنع الطعام والنار تخرج من بين لحيته الكثة الشريفة، وبينما كان سيدنا عمر كان منهمكاً بتجهيز الطعام لها، فإذا بأم كلثوم يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام .

إن الحكمة في سياقها اليوم لها سياق عجيب مع قوم مسلمين حقاً مؤمنين حقاً، ولك أن تعلم أن الرجل الذي تلد زوجته لا يعرف سيدنا عمر رضي الله عنه، ولا يعرف السيدة أم كلثوم

ولا يعرف طعم الحب الذي شاهدة على الطبيعة، فهو مشهد حي في غاية الروعة، ومع معاناة الرجل أصبح الرجل صاحباً لسيدنا عمر رضي الله عنه، وهذا الموقف جعل سيدنا عمر رضي الله عنه يفرح ويفرح؛ لأنه أغاث آخرين، والجميل أنه أغاث دون أن تطلب منه الإغاثة، وأنه ساعد دون أن تطلب منه المساعدة، وأنه تقدم دون أن يطلب منه التقدم، وحق له أن يكون سيدنا عمر أنه يتبوأ هذه المنزلة  العالية التي لأجلها لا يتكبر ولا يتعالى ولا يتمظهر، وإنما تراه أمة وحده ويخلو إلى نفسه فيظل يشدد عليها في الحساب، ويقول لها كلاماً صعباً شديداً ، وبعد أن يحاسب نفسه وبعد أن يعيدها إلى حالتها العمرية ها أنا ذاك أراه يضع يده على رأسه ويقول: (ماذا تقول لربك غداً يا عمر؟)

استشعر هذه الحالة التي أحدثكم عنها الآن، فوصل إلى مرحلة من الخوف فالخوف جعل وجهه أخاديد سوداء هكذا، وكان هنا نهر أسود وهنا نهر أسود يجمع الدموع التي لا تكف، وسيدنا عمر رضي الله عنه الذي ظل يطبخ لهذا الرجل حتى ارتحل من المدينة، وأمير المؤمنين كان حساساً بمشاكل الناس كان خارجًا من صلاة الفجر همه أنه يساعد أحدهم .

لماذا صلاة الفجر؟ لأنه يريد أن يفعل حسنة لا يعلمها إلا الله ،
ولكنه رضي الله عنه يحب أن يعمل حسنة في صورة خبيئة، ويعمل خبيئة في صورة حسنة، وهؤلاء هم الرجال الذين يتعبون لإسعاد غيرهم، وينتظرون الفرج لإسعاد غيرهم، فالذين ينتظرون الفرج كي يسعد غيرهم لم يلم أحداً أمير المؤمنين؛ لأنه فرط في حق امرأة غريبة، ولكن استشعاره أن المسؤولية كبيرة عليه حتى تراه يحمل عن المرأة حملها الكبير،  ثم ترى المرأة تقول:
(أثابك الله يا بني، أنت أحق بالخلافة من عمر) .

إنها لم تعرف عمر رضي الله عنه، لكن سلوكه معها لم يجرحها ويقول لها: إنه عمر، ومن الذي يقدر على كسر قواعد الروتين في حياتنا غير عمر رضي الله عنه .

(بشر صاحبك بغلام)

الرجل الصالح ليس هو الذي  يستأثر نفسه بالصالحات، ولكن الذي يفرح الناس:

 سيدنا عمر رضي الله عنه استخدم هذا المبدأ مع السيدة أم كلثوم فيقول لها :
(هل لكي في خير ساقه الله إليك)، هم الكرام سل عنهم أعداءهم قبل أصدقائهم، وسيكتب التاريخ والجغرافياً شيئاً عظيماً، لكن الأعظم أنهم عندهم خبيئة؛ لأنهم يتنظرون الجزاء إلا من الله

{ِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) }.

الحالة التي عاش عليها سيدنا عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين من التواضع والزهد وحتى إنه يدخل أرض المقدس  عندم شاء الله لها أن تفتح، وكان يتبادل الدور مع خادمه وحتى اقترب الركب من المدينة كان الدور على غلامه، وهذا سر عجيب في شخصية هؤلاء القوم الذين نوه الله تعالى أسماعهم وقلوبهم ورغم هذا فهم بين الخوف الرجاء .

الأنهر التي كانت في وجه سيدنا عمر رضي الله عنه ما هي إلا تعبير عن حالة الوجل والزلزلة التي عاشها من خشية الله سبحانه وتعالى، وحكمة اليوم لها قصة طويلة معي أعد منها ولا أعددها؛ لأنها تعبير أن الأناس الصالحين لا يعنيهم السلطة والجاه ولا أن يشهدوا الناس على أعمالهم .

{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} بمعنى أنك أظهرت الحسنات على أن يفهمها الناس على أنها رياء.

سيدنا عمر رضي الله عنه لم يطلب أحد منه النجدة، ولم تأت له امرأة وقالت له: أغثني يا أمير المؤمنين، وإنما إحساس المسلم بالمسلم هو الكمال في حد ذاته، وهو السكينة في حد ذاتها؛ لأنك لن تنال هذه السكينة إلا بعمل ورضا ورضوان، ولن أقول لك إن ما فعله سيدنا عمر رضي الله عنه هو درس لنا جميعاً، وكان القلب هو الذي يعمل وهو الذي يحمل.

تظل حياة الصالحين متعلقة بأحوال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

 لأنهم أخذوا بأيدينا إلى الله وإذا كان أحد زرع الأمل، فإن أول من صنع الأمل هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، وإنهم لا يستمدون سلطانهم إلا من سلطان الشريعة الإسلامية، ويمر يوماً فيرى غلماناً يلتقطون البلح من أفنية النخل، ولم يشاهده الأبناء وهو قادم، ثم يسألهم سيدنا عمر رضي الله عنه لماذا تأخذون هذا البلح؛ فيقولون: إن هذا البلح مما ألقت الرياح .

سيدنا عمر رضي الله عنه كان يمضي ويتقدم لكي يذكر الأطفال أن لا يتجرأوا على الحرام، والمنهج الذي يتبعه سيدنا عمر رضي الله عنه في السلاسة والرقة والأدب واتساع مشاكل الناس

دائماً سترى البساطة عنواناً لحياتهم.

ويقترب سيدنا عمر رضي الله عنه من مشارف الشام، وقد خرج اهلها لاستقباله، فلقيهم رجل قد امتطى جملاً يجلس فوق وطاء من صوف خشن  وكان الناس في انتظار موكب أمير المؤمنين.. فأين موكبك يا عمر؟ 

ماذا حولك من خدم وحشم وتيجان يا عمر؟:

يخرج أهل الشام لانتظار موكب أمير المؤمنين عمر، وما أدراك ما عمر؟ فإذا بهم يشاهدون رجلاً قادماً من بعيد يركب بعيراً بسيطاً جداً، ليس عليه أي زينة أو بهرجة، ويركب قميصاً كثير الثقوب، وكثير الرقاع، وعندما يقدم الشام فيسأله الناس أين موكب أمير المؤمنين؟.

 فيجيبهم: ها أنا عمر أمير المؤمنين، ولم يتوقع الناس هذا الأدب والتواضع مع الله تعالى  .

إن الناس يحبون التملق والزينة والبهرجة، لكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخذوا قبساً كبيراً من نوره صلى الله عليه وسلم، فجعلهم يزهدون في الدنيا وزخارفها وزينتها، ولم لا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه الهلال والثلاثة ولا يوقد في بيته نار، فيسأل زوجاته رضي الله عنهن ماذا عندكن الليلة فتقول ليس عندنا إلا الماء.

(بشر صاحبك بغلام)، إنها كلمات جميلة تعبر على أن هؤلاء الصالحين لم يكونوا ينتظرون الحسنات أن تأتي إليهم وتطرق بابهم، وإنما كانوا هم الذين يأتون بالحسنات كي يرسموا البسمات

رأيتم قلوباً وهاجة وأنفساً جياشه لها همة عالية وحضوراً خاصاً جداً عند الله، وشدتني هذه العبارة: (بشر صاحبك بغلام).

 من عاش الآم الناس ومعاناتهم خفف الله تعالى ما هو فيه ومن تعالى على الناس فلن يشم رائحة الجنة .

 

{وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)}

{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ }

***

 

الحكم الربانية (218)

للفاروق عمر بن الخطاب

رضي الله عنه

بعنوان

(بشر صاحبك بغلام)

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإسلامي الكبير

20-6-2018 

تسجيل الدخول