الإنسان الذي لم يزر مريضًا وقد علم أنه مريض سيُحاسب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حياكم الله تعالى وأكرمكم ونوركم وعسلكم واستعملكم في طاعته وكل مشاهدينا الكرام  د

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ، يَا ابْنَ آدَمَ ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ ، فَلَوْ كُنْتَ عُدْتَهُ لَوَجَدْتني عِنْده يَا ابْنَ آدَمَ ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ اسْتَطْعَمْتَنِي وَلَمْ أُطْعِمْكَ ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِ))

لا شك أن هذا الحديث من الأحاديث الجامعة، وقد ورد في صورة قصة أو حوار قصصي ممتع مؤثر وهذا الحديث فيه زلزلة لقلوب المحبين لله تعالى ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الإنسان الذي لم يزر مريضًا وقد علم أنه مريض سيُحاسب:

 والإنسان الذي لم يطعم فقيرًا وهو قادر على إطعامه سيُحاسب، والإنسان الذي لم يسقِ إنسانًا وهو قادر على إسقائه سيُحاسب .

((يَا ابْنَ آدَمَ ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ ، فَلَوْ كُنْتَ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))

حرف السين يدل على الطلب بمعنى طلبت منك أن تطعم المحتاجين فلم تطعمهم  

((يَا ابْنَ آدَمَ ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، قَالَ : فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ اسْتَطْعَمْتَنِي وَلَمْ أُطْعِمْكَ ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي )).

الحديث ورد عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى وهو حديث صحيح وهذا الحديث يعد مدرسة أخلاقية عالية المستوى، فالحديث يركز على أن كل الأعمال التي نفعلها محصاة علينا

قال تعالى في سورة الكهف {مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ..(49)}

قال تعالى في سورة المجادلة { أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ ... (6) }

قال تعالى في سورة مريم {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)}

هناك ثلاثة معاني أساسية في الحديث

المعنى الأول: عيادة المريض وهو موضوع الباب نفسه

المعنى الثاني: إطعام الطعام وهذا واجب أوجب

قال تعالى عن أهل النار في سورة الحاقة {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) }  

ربط الله تعالى بين عدم الحض على إطعام المسكين وبين الكفر إشارة إلى أن الامتناع عن الحض يدخل في منزلة الكفر، ما بالكم بالامتناع عن العطاء؟!

الذي لا يخرج الزكاة يحاسب حسابًا عسيرًا لأن هذا المال هو حق الله تعالى فيه

إطعام الطعام والحض عليه واجب.

الإنسان يُفاجئ بهذا الأسئلة يوم القيامة، الله تعالى يقول للعبد إن فلانًا كان عطشانًا وطلب منك أن تسقيه، فلماذا لم تسقه؟

((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، أي لو بادرت بالحسنات والمثوبات لكان الجزاء مضاعفًا لديّ ))

هذه الأسئلة عتابية من الله تعالى للإنسان:

 لم يرد العبد على الله تعالى لأن مجرد المناقشة عذاب، فما بالكم بالعذاب؟

من نوقش الحساب هلك، فكلما عجز الإنسان عن الرد أثناء السؤال تساقط لحمه

وهذا الحديث شديد الوقع والإيقاع والمسؤولية والعرفانية للمسلم أن كل شيء لديه معروف عند الله عز وجل .

بعد هذا الكتاب يقول العاصي {مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ..(49)} الكهف

يحاسب الإنسان على امتناعه عن سُقيا غيره، فما بالكم بالمعاصي الكبار؟!

يَا ابْنَ آدَمَ ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي.

هل الرب يمرض؟! يستحيل على الله تعالى المرض، الأسئلة فيها شدة وأسلوبها تقريعي وتوبيخي للإنسان الذي قصر في حق الله تعالى وحق العباد، فمرض الله تعالى ليس مرضًا حسيًا.

{أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ ، فَلَوْ كُنْتَ عُدْتَهُ لوجدتني عِنْدِه}

{لوجدتني عِنْدِه} أي لوجدت رحمة الله تعالى ولطفه وحنانه عند المرض

المريض يعتبر في روضة من رياض الجنة فمن يزور مريضًا كأنه يزور غرفة في الجنة  ولو ان المريض دعا لزائره فإن الله تعالى سيستجيب له

ولو دعوت للمريض وأنت عنده فإن الله تعالى سيستجيب لك ولو مكثت عند المريض ساعة أو ساعتين فأنت في معية الله تعالى، لأنك في الجنة ولو مات المريض الذي تعوده مات فهو في الجنة أيضًا .

يبدأ الإنسان يحزن أن الطاعة كانت بين يديه ولكن لم ينتفع بها لا في الدنيا ولا في الآخرة .

حاشا لله تعالى أن يمرض وحاشاه أن يتعب ولكنها صورة تقريبية لكي نتعايش مع الموقف الذي كان بين يديه في الدنيا ولكنه غفل عنه  وكثير من الصالحين لا بد أن يزو عيادةً أو مصحةً أو مريضًا في بيته، فالمريض يرى في زائره رحمة الله تعالى ويخفف عنه ويعطيه إحساسًا بطول العمر .

إذا لم يُطلب منك إطعام الطعام أو سقيا الماء فعليك حض الأغنياء على فعل الخير مع الفقراء وينبغي على الإنسان أن يشعر بالجوعان قبل أن يطلب الجوعان ، أقام الخضر عليه السلام الجدار مع موسى عليه السلام وهو محتج وغاضب ولكنها مرتبة العطاء اللدني من الخضر عليه السلام .

أفضل أنواع الطاعات هي التي يفعلها المسلم بسجيته وطاعته دون أن يطلب منه أحد .

صاحب الفضيلة هنا يقول أعرف إنسانًا رحمه الله تعالى  قبل أن يفطر ينظر ماذا سيفطر أولاده وجيرانه من الفقراء، ليست العبرة بنوع الطعام وإنما العبرة بالشعور بالغير من الفقراء والمحتاجين فعطاؤك للناس مرتبط بعطاء الله تعالى لك، صاحب الفضيلة: هذا الحديث مؤثر جدًا وأحبس نفسي عن البكاء كي أكمل الحديث .

صاحب الفضيلة: كنت أسمع هذا الحديث من الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله تعالى وكان يلقيه إلقاءً عجيبًا وكنت أتأثر وأبكي بمجرد قرائته ولواكتفينا بقراءة الحديث فهذا درس في حد ذاته لأنه يعيشنا معاني الصدمة .

الحياة مواقف ولا بد أن ينجح الإنسن في هذه المواقف وأن يتفاعل تفاعلًا حسنًا

لن نحكم على الظاهر أما الباطن فلا يعلمه إلا الله تعالى .

الحديث أوجب علينا أن نعود المريض والله تعالى عند المريض برحمته وكرمه ولطفه وحنانه ومن يطعم الطعام فإنه يفعل شيئًا جميلًا كي يمنع الناس من فعل المعاصي وإسقاء الماء واجب شرعي .

 

(قصة في حديث)

الدرس الثاني والثمانون

"لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي"

لفــضيـلة الأســتـاذ الـدكـتـور/ أحمـد عـبـده عوض

الـــداعـيـة والـمـفـكـر الإسـلامـي

الثلاثاء 24/4/2018 م

 

تسجيل الدخول