مساوئ البخل _ تفسير الآيات ( 37 - 38 ) من سورة النساء

الحمد لله رب العالمين، الوليّ الحميد، الرزاق المجيد يفعل ما يريد، ألان لداوود الحديد، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وسيد الموحدين وخير الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه الطيبين، الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أهلًا بكم في "أنـــوار التفسيـــر"

 العطف على الضعفاء

عشنا بالأمس ليلة جميلة، لا زلت أتلذذ بمعانيها وصلنا إلى قوله تعالى { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } الله تعالى يوصي المسلمين باللطف بخدمهم، ومن يسترزقون من ورائهم، والقرآن الكريم يأمرنا بالعطف على الضعفاء الذين قادتهم ظروف الحياة إلى العبودية فبعد أن كانوا سادة في أقوامهم فأصبحوا عبيدًا يساقون إلى سوق النخاسة ولا زلنا في الآية السادسة والثلاثين من سورة النساء

{ وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾}

أوصى القرآن الكريم بالرحمة بملك اليمين، أكان رجلًا أم امرأة فواجب عليكم رعاية هؤلاء الناس الذين ملكتم رقابهم في أيديكم ولا زال القرآن الكريم يكشف، ويحدد نوعيات جديدة من البشر

المختال هو المعجب بنفسه

{إنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾}

المختال هو المعجب بنفسه دون موجب للعجب فإن تعجبت بشيء عندك فقد فاتك الكثير مما أعطاه الله تعالى لغيرك

{إنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾}

الذين يتباهون بالعطاء وهم ليسوا أهل عطاء، فالله تعالى لا يحب هذه النوعية من الناس، لأنهم ليسوا صادقين مع الله تعالى 

{مُخْتَالًا} معجبًا بنفسه وملابسه وبكلامه وبأسلوبه يخرج من المكان وقد ملأه الكبر والإعجاب بنفسه، فهذه النوعية ذمها القرآن الكريم ذمًا شديدًا.

{إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾}

ما العلاقة بين الآية "36" والآية "37"؟

المختال هو المتباهي والمتكاثر المفرط على نفسه {الَّذِينَ َبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } من أبشع صور المنافقين، أنهم يائسون ويزرعون اليأس عند غيرهم ومن أبشع صور المنافقين ، أنهم لا يأمرون بالمعروف قال تعالى عن بني إسرائيل { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}.

 

الأخلاق تعدي

صاحب الفضيلة يوضح هنا أن الأخلاق فيها عدوى، فإذا وجدك ابنك تمسك المصحف ساعات طوال سيحب القرآن الكريم، وإذا وجدك ابنك مدخنًا فلا ينبغي أن تلومه وفعل مثلك وسار على نهجك .

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} أي صار البخل ديدنهم رغم أن الله تعالى فتح على هؤلاء الناس فتحًا كبيرًا ورغم هذا لم يكتف هؤلاء الناس بالبخل بل أمروا غيرهم به، فهذا كان حال المنافقين في سورة التوبة .

{وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

صاحب الفضيلة يقول هنا من مؤلفاتي نورانيات سورة التوبة

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

مساوئ البخل

لك أن تكون بخيلًا إذا أراد الله تعالى بك أن تكون مطرودًا من رحمته، فإذا بخلت كان هذا المال المحجوب عن هؤلاء اليتامى وغيرهم لا بركة فيه، والذين يبخلون بعيدون عن الله تعالى، وأراد الله تعالى أن يحجبهم عن رحمته والذين يبخلون ليس عندهم ثقة في الله تعالى، ولا في رسوله الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالذين يبخلون لا يعتقدون أن الله تعالى سيرد عليهم أموالهم التي أنفقوها، فالبخيل بخيل على نفسه، وعلى غيره، وبخيل في مشاعره، والبخيل أيضاً يحب، ولكنه يحب نفسه فقط ويبالغ في حب نفسه حتى يحرقها في نار جهنم و يكون بعيدا عن الله تعالى، وبعيدا عن الناس ، فالبخيل بعيد عن الجنة، و قريب إلى النار .

لماذا تكلم الله تعالى عن البخل هنا؟

 وما العلاقة بين قوله تعالى: { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } وبين قوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.

وجب عليك العطف على هؤلاء والعطف إما أن يكون عطفًا ماديًا أو معنويًا، فالذين يبخلون على ذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل قد ذمهم الله تعالى، فاحذر أن تقول هذه الآية مفكوكة السياق .

الله تعالى يأمرك بالإحسان إلى فئات معينة،  فكل قاعدة إذا أديناها فزنا بها وإذا أردت الغنى تصدق، فإذا تصدقت تصدق الله تعالى عليك والبخيل معناه أنه خالف السنة النبوية عمدًا، فهناك بعض الناس يدخلون في ابتلاء شديد لا يعلمه إلا الله تعالى بسبب البخل والذين يبخلون لا يعطون بجوارحهم ولا بقلوبهم.

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

بعض صفات المنافقين

سننتقل الآن إلى بعض صفات المنافقين فأصعب شيء أن تكون صاحب بدعة، وتفرض بدعتك على الناس وأصعب شيء أن تكون صاحب معصية وتفرض معصيتك على الناس وأصعب شيء أن تكون على ضلال وتفرض الضلال على الناس، فلم يكتف البخيل ببخله، بل يأمر غيره أن يكونوا بخلاء مثله وعلى قدر ما تُكرم عبد الله تعالى،  فإن الله تعالى كارمك لا محالة.

على قدر ما تبخل على عباد الله تعالى  فإنك داخل إلى نفق مظلم والله تعالى أراد أن يقول: إن هؤلاء لا يكتفون بالبخل وإنما يأمرون الناس به، فهؤلاء لم يشاهدوا في ملك الله تعالى نعمة واحدة .

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

الذي أعطاك العلم والمال هو الله تعالى، فالبخل هو مرتبة سيئة والذين يأمرون الناس بالبخل يجعلون الناس يتجرؤون على الله تعالى، فالبخيل لم يخرج زكاة المال، ولا زكاة الزروع لأن رصيده الإيماني نفد.

 

قصص واقعية عن البخل

صاحب الفضيلة يوضح هنا أحكي قصة واقعة لا زلت أتجرع مرارتها و يحكي أن هناك رجلًا أراد أن يفعل خيرًا، فذهبنا إلى الرجل كي نأخذ منه قطعة أرض نحتاجها في مشروع إيماني كبير، فوجئنا بالاتصال الهاتفي أن الرجل قد صرف نظرًا عن التبرع .

من هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل؟ المعوقون هم من يأمرون الناس بالبخل، خدعوك فقالوا: إن المعاق هو المعاق سمعيًا أو بصريًا .

المعاق هو المعاق نفسيًا الذي لا يحب أن يرى الخير أمامه، فهذه الآية تبين نفوس الناس المريضة.
{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا(18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ...(19)}

و يَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

صاحب الفضيلة يقول هنا أراد الزوج ذات مرة أن يتصدق بغنمه وأنا أحدثكم بما رأيت لأن المشاهدة هي الحقيقة فاعتبط هذا الرجل هذا الكبش كي يتصدق به لله تعالى وخرجت للزوج شيطانة وهي زوجته فظلت زوجة هذا الرجل تشتمه، فترك الرجل الكبش الذي كان يتصدق به فمات الكبش في الحال.

 

الشيطان قاطع طريق

 {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}

صاحب الفضيلة يقول: رأيت الدموع في عيناي هذا الرجل، فهذا الرجل يبكي لعدم قدرته على فعل الخير وهناك ناس يحسدون ويعلمون الناس الحسد و يخوفون الناس من الحسد.

لِم تكتم نعمة الله تعالى عليك؟!
{ويَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

لا يصرحون بنعم الله تعالى عليهم، ولا بالخير الذي أعطاه الله تعالى لهم  فينبغي أن تظهر نعمة الله تعالى فيك .

صاحب الفضيلة يوضح هنا لقد مر بي في حياتي أهوالًا في التعامل مع البشر، فليس لك فضل في أي شيء، بل أنت عالة على المجتمع.

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

التربية بالعمل

صاحب الفضيلة يوضح هنا أن العدوى عدوى الأخلاق فهناك تربية تسمى "التربية بالعمل" وليس بالوعظ، وأنت الذي تزرع وعلى قدر ما تزرع تحصد.

{ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

لماذا قال الله تعالى الكافرين هما؟ هذه السمات التي ذكرها الله تعالى في الآية هي سمات الكفار وليست سمات المؤمنين

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}

{مُّهِينًا}: أي فيه إهانة لهم لأنهم حقروا الله تعالى واستخفوا به

قال تعالى { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} الله تعالى يريد أن يأخذك من مراحيض الجهل إلى نور العلم.

{ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}

{رِئَاءَ النَّاسِ} أي طلبًا لإعجاب الناس ورغبة في مدح الناس لهم

{وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}  لا يؤمنون الإيمان الكامل

من علامات النفاق أن تطلب مرضاة الناس على مرضاة الله تعالى، فيقين هؤلاء الناس في الله تعالى مهزوز ويقينهم في الإيمان باليوم الآخر معدوم فهناك من لا يؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر إلى يومنا هذا وكثير من الناس سابقوا الشيطان واستولى الشيطان عليهم .

{ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}

كيف نميز بين العمل الذي هو رئاء الناس، وبين العمل الخالص لله تعالى في رسالته؟ احذر الرياء لأنه يحبط العمل وأيضاً احذر أن تفعل شيئًا بقلبين .

احذر الرياء لأنه يحبط العمل

قال تعالى {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر}

أبو جهل كان متصدقًا ولكن كان رئاء الناس وعبد الله بن جُدعان الذي أشاد به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان متصدقًا جدًا ومُطعن بن جبير كان رجلًا ليس كمثل الرجال، ولكنه لم يذق طعم الإيمان إلا قليلًا .

فكان أبو جهل إذا تصدق كان يضع رجله في حذاء الفقر كي تكون رأس الفقير تحت نعله {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}

القرين الصالح والقرين السيء

صاحب الفضيلة يتحدث هنا أن موضوع القرين مهم جدًا ويشغلني كثيرًا والناس لا تميز بين قرين الإنس وقرين الجن والناس لا تميز بين القرين الصالح الذي يسعدك والقرين السيء الذي يتعسك

الآيات التي عشنا معها الليلة، اسمحوا لي أن أقرأها على مسامعكم الطاهرة.

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِوَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)

 

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . 

 

أنوار التفسير

فـضـيـلة الأستـاذ الدكتور

أحـمـد عـبـده عـوض

الدرس (584) سورة النساء

تفسير الآيات (37 - 38)

الأحد 25/ 2 /2018

8 جماد الآخر 1439

تسجيل الدخول