مجالسُ العلم رياضُ الجنة

إذا حضرت إلى مجالس الحكمة والعلم فهي رحمةٌ ساقها الله تعالى إليك

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، لك الحمد على نور الإيمان، ولك الحمد على صحوة القلب، ولك الحمد على نعمة الهداية .

والصلاة والسلام على أسعد مخلوقاتك، وأشرف أهل أرضك وسمواتك، كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون .

أما بعد فحياكم الله أيها القراء الأعزاء في هذا المقال الجديد والذي هو بعنوان (رياض الجنة ) وهو شرحٌ مبسطٌ لحكمةٍ قالها الإمام ابن عطاء الله السكندري والجميل في الحكم التي نقدمها، أنها حكمٌ مؤصلةٌ، أي حِكَم أصيلة، في الهداية، وليست محدثة، إنما لها أصولها، الشرعيةُ الرصينةُ، يقول الشيخ :

( إذا حضرتَ إلى مجالسِ الحكمة والعلمِ فهي رحمةٌ ساقها الله تعالى إليك )

هل من مزيد ؟

أولا : القلوبُ المليئةٌ بالإيمان تحبُ الاستزادةَ، ولن يُعَرِّفكَ بالله إلا من كان عارفاً بالله، إلا من ذاقَ قبلك، الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً .

فـأنت يجبُ عليك أن تكونَ مُهيئاً في استقبال العلم من أهل العلم، ليس هناك علمٌ فاسد إلا إذا خالفَ الكتاب والسنة .

أو كان كلاماً بِدعيٍاً، لكن كلُ كلامٍ من القرآنِ أو السنةِ صحيحٌ حتى لو قاله طفلٌ لو كان طفلاً هو الذي يتكلم وجبَ عليك الإنصاتُ إليه فهذه رحمةٌ ساقها الله تعالى إليك حتى لو أنك عالمٌ، وهناكَ طفلٌ يخطبُ أو صبيٌ يخطب، وجبَ عليك الاستماعَ إليه، ماذا يكون علمُهُ بجوارِ علمك لا شيء لكنه يُذكرك بالله عز وجل .

مجالسُ العلمِ التي نقدمها وغيرُنَا والتي في المساجد وفي إذاعات القرآن والقنوات القرآنية تعتبرُ للناس مصابيحَ هدايةٍ ولكن لكي يتآلف الإنسان معها ويحبها، ويصبرَ على شيخه،أو على أستاذه، ويجلس يتعلمُ من شيخه أو من أحد العلماء، درس ساعتين أو ثلاثة فهذا يحتاج إلى قلبٍ نظيفٍ قلبٍ مستعدٍ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌأَوْ أَلْقَى السَّمْعَ }

أي يستمع وهو شهيدٌ أي الله تعالى شاهدٌ عليه، ويرى اللهَ معه في كل وقتٍ لينذرَ من كان حياً الذين يحبونَ العلم ويحبون العلماء، والأماكن التي فيها العلماء، والتي فيها العلم يسعون إليها يذهبون إليها لأنها أماكنِ تنزلِ الرحمات، وتنزلِ السكينة، وتنزل الملائكة، وهي بالنسبة لي أنا شخصياً، إذا كنتَ أنا المتحدث، أو كنت السامع، هي عبارة عن دروسِ غسيلٍ، الإنسانُ يُغسلُ بها غسلا جيدا، ويستمتعُ بها استمتاعاً نادراً .

يقول الشيخ : إن الذي عنده بئرٌ، يُشَبِّهُ القلبَ بالبئرِ،مليءٌ بالأتربةِ، والرُكامات، على مدى سنواتٍ عديدةٍ، يصعب عليك أن تُبدل هذا البئرَ، في يومٍ، أو في ساعةٍ، أو أكثر، أو في مجلسٍ واحد .

الإنسان لكي يتبدل، يحتاجُ وقتاً لكي يعدل سلوكهُ، يحتاج إلى وقت

{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }  الذي يحبُ أن يستمعَ إلى دروسِ العلم، والذي يحب أن يعيشها، مجرد أنك تجلسُ، وتسمع الدرس للشيخ، أو الأستاذ، أو الإمام، أو الخطيب، أو الداعية، وفرغت نفسك له، فـ أنت في عبادة، أنت في روضة من رياض الجنة، فـ إذا أعانك الله عز وجل، أن تعملَ بما قال، فـ تلك رحمةٌ أخرى، ساقها الله تعالى إليك، وإذا لم توفق لالعمل بما قال اليومَ، لأنك لست مستعداً، ولستَ في حالةٍ إيمانيةٍ قوية، فـإنك غداً، أو بعد غدٍ، أو بعد سنةٍ، عندما يذهب الصدأ، والران، الذي كان على قلوبنا، فإن الإنسان يبدأ يستمتعُ بدروس العلم، لماذا دروس العلم هي دروس حكمة ؟

لأن الله سبحانه وتعالى، جعل في العلم، الهداية، وجعل في العلم، الحكمة، والناسُ، كما أخبر سيدنا، صلوات ربي وسلامه عليه، إما عالم، وإما متعلم، وأما الصنف الثالث، فهم همجٌ لا خير فيهم، أنا لا أتصور إنساناً، يمر عليه أربعةٌ وعشرون ساعة، من غير أن يفتح مصحفاً، أو يمسك مسبحةً، له أورادٌ معينة، وله أذكارٌ معينة، أو يجلس إلى شيخٍ، أو إلى أستاذٍ، يتعلم منه، الحياة عندئذ، تكون حياة مملة .

العلم العلم

لأن العلم هو الذي يُصبِّرُ الإنسانَ على حالهِ، العلم هو الذي يعرفكَ بسير الحياة، وتجارب الأخرين، لكي تسلك مسلكهم، العلم هو الذي يصبُ فيك الحكمةَ، ويبعد عنك الغفلة .

دروس العلم، تنقلك من حالةِ الغفلة، إلى حالة اليقظةِ، من حالةِ عدم الاستعداد إلى حالةِ الاستعداد .

دروس العلم، تُذكرُك بحياةِ سيدنا، صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه، وكيف أنه ربى أمَتَهُ، على طلبِ العلم، والإنسانُ بلا علم، وبلا طلبِ علم، معذرةً، عبارةٌ عن همجٍ لا قيمةَ له، ولا أقصدُ بالعلم، أن يكون الواحد أستاذاً جامعياً، أو معلماً  كبيراً، أو متخصصاً في علوم الشريعة، إنما الذي أقصده، أن يكون الإنسانُ، آخذاً للمعلومات، ويذهب إلى مجالس العلماء، وينقلها إلى غيرهِ، فـ رُبّ حاملِ فقهٍ خير فقيه، صحيح .

  نضَّر اللهُ عبداً، سمع مقالتي فوعاها، فـ بلغها .

سمع مقالتي، أي كلامِ سيدنا، صلوات ربي وسلامه عليه، فـ وعاها، ونقلها .

هذا هو الإيمان، الذي نتحدث عنه الآن .

الذي يجلسُ مجلسَ علمٍ، ينتصرُ على الشيطان، الذي يجعله مشغولا بالرد على الهاتف، أو النظر في الساعة، والململة، متململ، وليس هادئاً، وليس راسياً، فـ يشردُ، من الشيخ، أو من الأستاذ، ويسرح سرحةً، بعيدةً، على ما يرجع، يكون الدرس انتهى، وهؤلاء الناس، معذرة .

هم المحجبون عن رحمة الله تعالى ، لماذا ؟ لأن الله تعالى جل جلاله جعل العلمَ رحمةً وجعل دروس العلم رحمة، وجعل خطب الجمعة، رحمة، والدروس التي تُلقى بعد الصلوات، رحمة، وجعل الأذكار رحمة، وأنت في حاجة إلى من ينهض بحالك، كما قلتُ لك قديما :

لا تصحبنَّ إلا من ينهضُ بك حالهُ، ويدلك على اللهِ مقاله .

الإنسان، عندما يبعد ينشغل، ويطول عليه الأمد، وعندما يسمع إلى عالمٍ، يتكلم عن الآخرة، وعن ذكر الآخرة، يبدأ يراجعُ نفسه، الإنسان تأخذه الدنيا، ويعتقد أن القرآن ليس له، إنما القرآن لأهل التخصص، فـ يجلس إلى شيخٍ ويقولُ لك الشيخُ : كلاماً يحببكَ في حفظ القرآن، وأن من حفظ أيةً، كمن تصدق بعشرةِ آلاف درهم .

يبدأ يحببك في طلبِ العلم، وفي نقلِ العلم إلى الناس، وكان والدي رحمه الله تعالى، ونحن صغار، ولازلت صغيراً، كان يحبُ سماع العلماء، وكان يقول : الشيخ فلان قال كذا، اكتبها عندك، كي تقولها في درس، أو في خطبة جمعة، كنت اكتب هذه الأشياء البسيطة، التي أتلقاها من أهل العلم، وأنا صغير، وجمعتها في كتابٍ، وأنا صغير أيضا، أسميتُهُ خير الزاد في صلاح العباد، وبالتالي، الإنسان لابد أن ينتفعَ بهذا العلم، لأن العلم الذي لا ينتفعُ به الإنسان، يكونُ حجةً عليه في الدنيا والآخرة، اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن أصعب الذنوب، على الإنسان، أن الإنسان قد يكون أعطاه الله تعالى، علم، فـ ينسلخ من هذا العلم، ويتحول من إنسان محترم، أو إنسانة محترمة، إلى إنسان معذرة، لا يبالي، تِلك مصيبة كبيرةٌ، أن الإنسان يضع نفسه، في غيابات النسيان، ما دمت في موضعِ الذكر، وفي موضع طلبِ العلم، لا يزالُ لسانك رطباً بذكر الله .

ذات مرة، أتى إليَّ أحد الناس، بعد درس، أو أمسية، فقال لي : الأمسية كانت جميلة، فقلت له ماذا تعلمت منها، فقال تعلمت منها درر، ولكن لأنها جميلة جدا، لم أستوعبها كلها، وأنا في حاجة إلى أن أستمع إليها، مرةً ثانية، وثالثة، لكثرة المعلومات الوفيرة التي كانت فيها، لكنني هكذا يقول، أخذتُ منها شيئا جميلا، وأنا أسمعك، مرة أصلي على سيدنا النبي، ومرة أقول لا إله إلا الله، ومرة أقول سبحان الله، ومرة أقول الله أكبر، مادمت معك في المسجد، أو أسمعك في التلفاز، فأنا لا أقع في المعاصي، فأنا في حصانة إيمانية جميلة، فأنا أبعد عن نفسي الأتربة، والنسيان، والشيطنة، دائما الذين يتكبرون على العلم، وعلى طلب العلم، ولا يحبون النصيحة، هؤلاء أرادوا أن يحجبوا أنفسهم، عن طريق الجنة، لأن أفضل ميراث على وجه الأرض، هو ميراث العلم .

لأن المال فاني، المال عَرَضَ زائل، أما العلم فهو باقي، عندما سأل الإمام علي كُميل بن زياد، رضي الله عنه، أيهما أفضل، أيهما أكثر بقاءاً، العلم، أم المال، فقال بل العلم، لماذا ؟ لأن العلم لا يموت .

العلم يبقى، لو واحد يعلم ابنه، وهو يموت، يبقى ابنه يعلم الناس، وحفيده يعلم الناس، وكذا، كذا، كذا، إلى أن تقوم الساعة، لكن المال سيفنى .

وهو عرض زائل، لأجل هذا، قال تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } تريد أن ترتفع، ترتفع درجة، ودرجة .

العلمُ هو الذي يحضك على وضع المال إذا كان عندك مال، على وضع المال المناسب في المكان المناسب ولِذا قال سيدنا صلوات ربي وسلامه عليه نعم المال الصالح للعبد الصالح .

لماذا ؟ لأنه إذا كان صالحاً فإنه يضعُ المال في مكانٍ ينفعُ به الناس، لا يكنز المال لورثته، وبعد هذا يأتي الورثة، ينهش بعضُهم لحمَ بعضٍ، لا، إنما يقدر أن الله تعالى ابتلاه بالمال، والله إبتلاء، فهو قائم على نعمة أو على نقمة، أتكون نعمة، أم تكون نقمة، كلُ شيءٍ في الحياة، يدور بين هذين الأمرين، العافية، إما أن تكون نعمة، وإما أن تكون نقمة، المال، إما أن يكون نعمة، وإما أن يكون نقمة، الزوجة، إما أن تكون نعمة، وإما أن تكون نقمة، الأولاد، وهكذا، وهكذا .

فـ إذا أحسنت، فإن كل هذه الأشياء، تكون نعم .

إذا أعطاك الله تعالى عافية، اجعلها تبلغك إلى طاعته .

وإذا أعطاك الله تعالى أولاد، اجعلهم يبلغوك إلى طاعته .

وإذا أعطاك الله تعالى مالاً، اجعله يبلغك إلى طاعته ، وكذا، كذا .

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا، وبين معاصيك

ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك .

الواحد يبلغ الجنة بالطاعة، مَّن الذي يحضك على الطاعة كثير من الناس يذهبون إلى صلاة الجمعة، بعد أن ينتهي الخطيب من درسه أو خطبته، ويستعد للقيام للصلاة، وعندما تسأله فيقول إني لا أستفيد شيئاً لأن مستوى الخطيب ضعيف، لا والله .

هذا غير صحيح، لكنك بصراحة، حجبت نفسك عن الله ، اجلس في المكان، المكان إذا كان طيباً سيمتليءُ بالملائكة، سيعمر بالملائكة، يكفي أن الذي يتحدث، كما قلتُ لك في أول الحكمة، حتى لو كان طفلاً يقول : قال الله، قال رسول الله، وهذا تذكرةٌ لك، وإبعادٌ لك عن الغفلة، وعلى أن يطول عليك الأمد، لأنك إذا بعدت طويلاً، وطال عليك الأمد، قسى قلبك .

وكي يلين قلبك، وكي يستردَ قلبُكَ الإيمان، وكي يستعيدَ القلبُ اليقظةَ الإيمانية، أيضا يحتاج إلى دروسِ علمٍ، وإلى منشطاتٍ، محتاج إلى مُدعِمَات، ولِذا كان سيدنا، صلوات ربي وسلامه عليه، يعظُ الصحابة، بعد كل صلاة، وكان سيدنا موسى عليه السلام، يعطي درساً في الصباح، ودرساً في المساء، وهكذا .

هذه الدروس الإيمانية، عبارةُ عن منشطات، ومجددات للإيمان، وبالنسبة لك، عبارة عن حالة استعداد، حياتك عبارة عن حربٍ مع الشيطان، من الضروري أن أحدا يعطي لك دعما، الذي يعطيك الدعم، والقوة، هو العلم، والعلماء، ومصابيح الهدى .

لا تحرم نفسك من مجالس الحكمة، ومجالس العلم، ومجالس الذكر والطاعة، فهي خير معين ساقه الله إليك، والله يريد أن يتوب عليكم .

الذين ينصرفون عن دروس العلم، ودروس الحكمة، ولا يحبونها، صرف الله قلوبهم عن الإيمان، لماذا ؟

لأن قلوبهم ليس فيها مجال لله عز وجل، قلوبهم منهمكة، في طلب الدنيا، وفي خدمة الشيطان، فلا تكن مثل هؤلاء .

هذه الحكمة، حكمة عطائية، أحبها، وأعيش معها، وأعيش بها، وأنا أحب أن أسمع دروس العلم لكل الناس، حتى وإن اختلفت مع بعضهم في الرأي، فإنني أحب أن أستمع إلى أراءهم، وكيف يفكرون، وكيف يبلغون عن الله عز وجل، إذا حضرت إلى مجالس الحكمة، والعلم، فهي رحمة، ساقها الله تعالى إليك  .  

{ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } [البقرة : 269]   

 

تسجيل الدخول