خلق الناس كلهم من آدم - أكل أموال اليتامى ذنب كبير تفسير الآيات (1-2) من سورة النساء

الحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بأنوار الوفاق، وسقى أسرار أحبائه شرابًا لذيذ المذاق، وألزم قلوب الخائفين الوجَل والإشفاق، فلا يعلم الإنسان في أي الدواوين كتب، ولا في أيِّ الفريقين يساق، فإن سامح فبفضله، وإن عاقب فبعدلِه، ولا اعتراض على الملك الخلاق .
أما بعد:
فقد ودعنا سورة آل عمران، وننتقل إلى سورة النساء والسورتين مرتبطين ببعض، فسورة آل عمران تمهد لسورة النساء فى قوله تعالى:


(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2).


سورة آل عمران تمهد لسورة النساء


آخر آية فى سورة آل عمران مرتبطة بأول سورة النساء، وهنا الإعجاز يتكلم، وفى آخر سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ختام سورة آل عمران اتسم أنه جامع ورابط لسورة النساء بسورة آل عمران، فسورة آل عمران تمهد لسورة النساء، فآخر سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) وأول سورة النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) وهنا قاسم مشترك فى خواتيم سورة آل عمران وبداية بسورة النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) نفس المعنى الذى ختمت بة سورة آل عمران تبدأ بها سورة النساء بطريقة عجيبة لماذا؟
إن أحكام سورة النساء كلها أحكام خاصة بصورة الإسلام وهى أحكام تشريعية تخدم العالم كله .
سورة آل عمران سورة مدنية رغم هذا بدأت بـ (الم ) القرآن عجائب وسورة النساء تبدأ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، إشارة إلى أنها أحكام تشريعية تخدم العالم كله، وستجد فى بعض الديانات الأخرى أنهم أخذوا من سورة النساء قوانين فى بلادهم رغم أنهم ليسوا مسلمين لك أن تقول: ما هذا الجمال ؟ فعلا ما هذا الجمال ؟
المولى عز وجل يبدأ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) توضيحاً أن هذه الأحكام رغم أنها لأمة الإسلام ولكن تعمم على جميع بلاد العالم لذا بدأت (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذا الإعجاز فى الربط بين خواتيم سورة آل عمران وصدر سورة النساء أن كل سورة فى القرآن الكريم تمهد للسورة التى ستأتى بعدها لن تجد أى مشكلة أبدا فى أن كل سورة تسلمك، وهذا إعجاز كبير.

خلق الله الناس كلهم من آدم


راقبوا الله فى أفعالكم؛ لأن الله تعالى خلق الناس كلهم من نفس واحدة: لماذا يشير القرآن الكريم إلى أنها نفس واحدة؟ لماذا يشير القرآن الكريم إلى أنها نفس واحدة؟ وهل شهد النبى صلى الله عليه وسلم أنها نفس واحدة ؟.
تأمل قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ) هنا إعجاز خلق الناس كلهم من نفس واحدة وهو آدم (عليه السلام) ومنه حواء، ولم يسميها القرآن لم يذكر القرآن اسم حواء لأنها خلقت منه لأنها معطوفه عليه .
الخليقة لها بداية كما أن لها نهاية (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) الأحاديث أشارت إلى أن الله خلق حواء من ضلع أعوج إذا أردت أن تقيمه كسرته.
(وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
نلاحظ أن القرآن الكريم فى الإعجازذكر لفظ الخلق مرتين إشارة إلى تعدد الإعجازالأولى فى قوله (خَلَقَكُمْ) (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا) إشارة إلى أن أبناء آدم وحواء سينتشرون فى الأرض، وتبدأ الخليقة فى تمددها كما أراد الله.
ذكر كثرة الرجال لأن الحياة لا تمتد إلا بوجود رجال مع نساء، التناسل والتكاثر (مِنْهَا) أي آدم وحواء عليهما السلام ولما خلق الله الناس من نفس واحدة، فوجب عليهم أن يتراحموا حتى لو لم يكونوا على ملة واحدة.

صلة الرحم واجبة


وهنا صلة الرحم واجبة مع جيرانك مهما كانت ديانتهم كل هذا إعجاز في صدر سورة النساء.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) لماذا يركزالقرآن على صلة الرحم حتى مع غير المسلمين؟ وهنا ينبهنا المولى عز وجل على وجود صلة الرحم، فصلة الرحم لها أجر عظيم عند المولى عز وجل .
الإسلام يعلمنا الأدب مع الله، الأدب مع المسلمين والأدب مع غير المسلمين لأنه لا توجد حياة إيمانية إلا إذا كان فيها صلة رحم.
ثقافة الإرهاب والرعب والإجرام لا يعرفها الإسلام .
(كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) كونه كان وما زال عليكم رقيباً يعنى حفيظاً وشاهداً.
القرآن إعجاز جميل وكله جميل، وأجمل ما فيه صدر السور وخواتمها.

أكل أموال اليتامى ذنب كبير


(وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2). القرآن هنا يقف على كان الناس يفعلونه فى الجاهلية، وسورة النساء سورة مدنية تعقب على أفعال الناس فى الجاهلية .
ماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يضمون أموال الايتام إلى أموالهم فالقرآن أراد أن يفصل أموال الأيتام.
(وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) يعنى أن الأحكام التشريعية تقول لنا إن أموال الأيتام الذى يأخذها الناس ظلماً لو دخلت فى الأموال أصبح المال مختلطاً واحذر أن يوسوس لك الشيطان فيقولون: إن القرآن يكرر بعضه، ولكن القرآن لا يكرر، بل يؤيد هذه الآية أول آية فى القرآن الكريم تتكلم عن أموال الأيتام، والقرآن يستخدم لفظ الأكل للتحذير(بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2).
لا تضموا أموال الأيتام إلى أموالكم هذا إن كان اليتيم عنده مال بمعنى أن والده مثلا توفى، وترك له مالا وتزوجت أمه، فأصبح هذا اليتيم له ميراث، فلا يجوز أن يأخذ زوج أمه أو أمه أموال اليتيم، ولا يجوز للعم أن يأخذ أموال أبناء أخيه الأيتام الذين تحت وصايته لا يجوز.
بعض الناس تستبيح هذا، ولكن هذه مبررات شيطانية، وهؤلاء أول من يعذّبون يوم القيامة.
(إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2). كلمة (حوباً) نادرة استخدامها فى القرآن الكريم بمعنى أنه كان إثماً كبيرا، وكان جرماً كبيرا، وكان ظلماً كبيرا.
كنا الليلة فى صدر سورة النساء لك أن تقول يعجب الزراع لك أن تقول: ما أحسنها ما أطيبها.

 

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

 

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ

أنوار التفسير

فـضـيـلة الأستـاذ الدكتور

أحـمـد عـبـده عـوض

الدرس (560) سورة النساء

تفسير الآيات (1-2)

تسجيل الدخول