تفسير سورة آل عمران الآيات 52-53-54

طباعة

 

تفسير سورة آل عمران الآيات 52-53-54- 

قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)} {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53) }، [آل عمران: 53] {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 54] [آل عمران: 53، 54]


 

ما الذي منع بني إسرائيل أن يؤمنوا بسيدنا عيسى- عليه السلام- وهو الذي أيده الله تعالى بكل أنواع المعجزات، وشاهد العالم كله من -عيسى عليه السلام- مظاهر إعجازٍ لم تحدث في تاريخ الدنيا كلها، فتطابقُ المعجزاتِ التي جاءت على يد سيدنا عيسى-عليه السلام- تؤكد أنه  مُؤَيَّدٌ من الله سبحانه وتعالى.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي أيد عيسى -عليه السلام- من عنده، فكيف وأنَّى يستطيعُ البشرُ أن يخذلوه؟، كل الأنبياء عندنا في مرتبة النبوة العالية، وعندما يتحمس الفردُ لسيدنا عيسى -عليه السلام- فذلك من باب تحمسه، ودفاعه عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بالضبط.

 ومن نفس المنطلق كان القرآنُ قد عرف الجميع بجهاد هؤلاء الرسل، أما عن الموضوعات المتصلة بالإيمان بهم فهي داخلة في العقيدة، ولكن يجب أن نستغلها في توحيد العقيدة، وتوحيد الأمة تحت رايةٍ واحدةٍ، ونركز من خلالها على توصيل الحق للناس بالحق، وأن الباطل لا يمكن أن يتمادى.

 فسورة (آل عمران) بها من الأسرار العظيمة ما لم يعرفه الناس حتى يومنا هذا، وهذه الأسرار تكمن في اسم السورة، وهو : (آل عمران )، فالاسم نفسه يعبر لك عن جهاد الأنبياء، ويعبر عن جهاد السيدة مريم، وعن صبر سيدنا عيسى –عليهما السلام- وجهاد سيدنا زكريا، وتميز سيدنا يحيى عليهم جميعًا من الله السلام.

قال تعالى : (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) ).

هناك استفساراتٌ متعلقةٌ بهذه الآية منها : أولم يكن كافيًا بالمدة التي قضاها سيدنا موسى عليه السلام مع بني إسرائيل طيلة هذه السنين التي تعد دهرًا طويلاً أن تسهم في تنفيذهم لكلام ربهم وإيمانهم بكل ما ورد إليهم من تعليمات وذلك لهدايتهم فلم يهتدوا حتى بعث الله لهم سيدنا عيسى عليه السلام؟.

الإجابة : يقولون : (إنه كلما اشتد الداءُ على المريض تكاثرت الأطباء عليه )، فالمريض الذي يعاني فشلاً كُلويًّا، وكسرًا في العمود الفقري، ولديه تصلب شرايين، ولديه زهايمر عندها يحتاج إلى عدد من الأطباء، لأن الحالة صعبة ؛ فكذلك الحال بالنسبة لبني إسرائيل.

 

 

هؤلاء قومٌ فتح الله البحر أمامهم، وتلك معجزة لم تحصل في تاريخ العالم بأسره، وبعد أن رأوا هذا المشهد، وعقب حدوث  هذه المشاهد التي لا تتكرر معهم جاءت المفاجأة، فبينما هم عائدون من مصر إذ صدر منهم كلامٌ ومواقفُ غريبةٌ، يقول تعالى : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)} [الأعراف: 138]

 

بعدما رأى بنو إسرائيل كل ما حدث من معجزات، وشاهدوا قدرة الله  التي ليس بعدها قدرة يقولون  : نريد إلهًا يا موسى كما لهم آلهة بخلاف الله عز وجل، فالمرضى هنا وهم بنو إسرائيل استفحل فيهم المرض، فلابد أن يأتي إليهم رسلٌ وأنبياءٌ كثيرون، منهم  موسى ويوشع بن نون وشمويل، وغيرهم، فلقد أرسل الله إليهم الأنبياء بالمئات فلم يؤمن منهم سوى القليل.

 

 

سيدنا عيسى -عليه السلام- لن ينجح أكثر من سيدنا موسى عليه السلام، وكلاهما من أولي العزم، ولكن سيدنا موسى عليه السلام، معه التوراة التي هي كلام الله، وسيدنا عيسى معه الإنجيل الذي يعد جزءًا من التوراة، فسيدنا موسى كان أكثر تمكنًا فلا خلاف على هذا، ورغم هذا بَعَثَ الله إليهم سيدنا عيسى عليه السلام لكي يقيم عليهم الحجة، لشدة مرضهم الفكري، فالمرض متمكنٌ فيهم.

 

يقول الله تعالى : { وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 49] : أي أن سيدنا موسى-عليه السلام- أتى لهم بالبينات والمعجزات القارعات الرادعات، ورغم ذلك لم يؤمنوا به، فما حدث مع سيدنا موسى-عليه السلام- هو ما حدث مع سيدنا عيسى -عليه السلام- وأشد وأعظم من ذلك.

ولو رحموا سيدنا موسى -عليه السلام- لرحموا عيسى عليه السلام، واستجابوا له عندما فتح لهم الأرض المقدسة قائلاً لهم : { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)} [المائدة: 21]، ولكن رفضوا، فكان بينهم وبين أرض الميعاد أرض فلسطين، وتلك مسافة قصيرةٌ، فكان الناس يعبرون من أرض فلسطين إلى أرض مصر، ومن مصر إلى أرض فلسطين، قال تعالى :{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)} [البقرة: 58]، فما فعلوه مع الأنبياء كلهم فعلوه مع موسى عليه السلام، وفتاه يوشع، وسيفعلوه مع كذلك مع عيسى عليه السلام، كذلك لم يدخلوا الباب سجدًا، ولم يقولوا (حطة) بل قالوا "حِنطَة ".

 

 

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا في هذه الآيات : كيف كفروا بالله بعد أن طلبوا كل المعجزات، ونفذت لهم، ورغم هذا فإن سيدنا موسى -عليه السلام- لم يُفلح معهم؟، قال تعالى : {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف: 128]، وذلك كان في بادئ الأمر، فالحديث عن سيدنا موسى عليه السلام، يعتبر جزءًا واحدًا متكاملًا، لأن جهاد الأنبياء يعتبر قطعة واحدة ومسيرة رسول أو نبي حمل على عاتقه تبليغ رسالة النبي صلى الله                               عليه وسلم.

 

قال تعالى : {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)} [الأعراف: 128] ، فردوا رد استهزاءٍ، واستخفافٍ، وسخرية قال تعالى : {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)} [الأعراف: 129] : أي في الأساس لم يكونوا مُصدِّقين أن سيدنا موسى سيرفعهم إلى منزلة عالية من الله عز وجل، فلقد جاءهم في وقتٍ كانوا فيه عبيدًا للفراعنة يسخرونهم كيفما شاءوا، ولكنهم مصرُّون أن يبقوا على حالهم، ولكن سيدنا موسى عليه السلام باعتباره صانع أمل أعطاهم الأمل، ولكنه أعطى الأمل لنفوس ضالة منحرفة عن أمر الله.

 

قال تعالى : {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)} [الأعراف: 129]، أي : تدور الأيام على بني إسرائيل فيُهلِكُ الله الفراعنة  الذين بدءوا ينحرفون عن منهج الله، فبني إسرائيل الآن عبيدٌ عندهم، ولكن حينما يأتي النصر من الله فيكونون هم السادة، ويسأل الله بني إسرائيل بعد ذلك : (كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) } [الأعراف: 129]، فأول ما تحقق المراد وأهلك الله الفراعنة الذين بدءوا ينحرفون عن منهج الله سبحانه وتعالى، قال تعالى : { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف: 137].

أصبح حكم مصر في أيدي بني إسرائيل، وأصبحت موارد دولتهم في أيديهم، قال تعالى : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)} [الأعراف: 138]،  أي : سيؤول لكم حكم البلاد، ورغم هذا أشركوا باللهِ أيضاً، وهذه اختبارات قاسية للشعوب فلا حرج مع تجبرهم وطول عنادهم، أن يمسخهم الله تعالى قردة وخنازير من شدة ظلمهم، وعبدة طاغوت.

 

 

ظل سيدنا عيسى –عليه السلام- يُقدِّمُ لهم المعجزات من إنبائهم بالغيب وإحياء الموتى وغيرها من المعجزات، ورغم هذا قلوبهم متحجرة، قال تعالى : { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } [آل عمران: 50، 51].

قال تعالى : { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } [آل عمران: 50، 51] أي : إنهم في الحقيقة، التوراة لم تكن في بالهم، فما أحبوا الله قط.

قال تعالى: ( إنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) أي : هذا إقرار عبودية بعد إقرار التوحيد السابق، وقال تعالي : (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (51) : أي رسالة سيدنا عيسى عليه السلام، رسالة جميلة، رسالة فيها أدب، ليس فيها عنف أو تشدد.

قال تعالى : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، هنا سيبدأ سيدنا عيسى -عليه السلام- في أداء رسالته، أما الحقد الذي ملأ قلوب بني إسرائيل جعلهم رغم ما أظهره عيسى -عليه السلام- من معجزات بيِّنَاتٍ باهراتٍ، وهنا بدأ الناس يطلبون منه المعجزات، فقال له ملك البلاد : أخي مات هل تستطيع أن تحييه مرةً أخرى؟، فقال له سيدنا عيسى : لو أحييته لك لكان خطرًا عليك، ومازال يكررها عليه، ولكنه مُصرٌ على أن يحيي له سيدنا عيسى –عليه السلام- أخاه، فأحياه سيدنا عيسى-عليه السلام- بأمر الله عز وجل أمام عينيه، فهل معجزة كهذه يمكن أن تُكذّب؟، وهل صاحب المعجزة يمكن أن يصنع اتجاهًا مضادًا لها؟، فكلما طلبوا معجزةً من سيدنا عيسى-عليه السلام- والتاريخُ يُعيدُ نفسه كلما لباها لهم ولازالوا يكفرون به.

 الإجابةُ : يأتي الكفرُ حقداً على سيدنا عيسى عليه السلام، وهذا أخطرُ شيءٍ من الناس الذين يحقدون على الأنبياء، وهم الذين يقولون : لماذا عيسى عليه السلام؟، ولماذا موسى عليه السلام ؟، ولماذا محمد صلى الله عليه وسلم؟، قال تعالى في سورة الزخرف : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف: 32]، أي : أن العناد المُتَرَسِّخُ فيهم جعلهم يحقدون على الأنبياء.

قال تعالى : { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ26 }  [القمر: 26-25]، هؤلاء الناس الذين كذَّبوا الأنبياء، وكانوا على يقينٍ تام أنهم أندر وأتقى وأنقى وأصفى مخلوقات الله، فالحقد يتنامى ويتنامى إلى أن يتحول إلى الكفر في صدورهم.

فسيدنا عيسى بدأ يحس أن الناس لا يقابلون المعجزة باستحسان ولكن يرى وجوهاً عابسةً، يرى وجوهًا قاتمةً، مشمئزين فبدأ يشعر بالغدر من جانبهم، فالموهبةُ تستفز الأغبياء، وسيدنا عيسى موهوبٌ ومدعمٌ من الله تعالى.

ظل (شمويل) وهو رجل من بني إسرائيل ظل طيلة الليل كله يصطاد، ولكنه لم يصطد سمكةً واحدة فمر عليه عيسى -عليه السلام- بعد الفجر، فقال له سيدنا عيسى ماذا تفعل؟، فأجابه : إني أصطاد طيلة الليل فلم أصطد سمكةً واحدة، وقال لسيدنا عيسى : ادع الله لي، فدعا له، فجاء إليه السمك حتى تَقَطَّعت  الشبكة من كثرة السمك وملأ السمك سفينتين، فما زادهم هذا إلا طغياناً وكفراً.

 

 

الإجابة أن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شربوا من نفس الكأس وهو حقد الناس عليهم، فلماذا هود ولماذا صالح ولماذا زكريا؟ أسئلةٌ معتادةٌ لديهم بمرور العصور والأزمنة، فما حدث مع نبي يحدث مع من بعده، وهذا يسمى بـ "العقلية التكرارية"، فما حدث مع سيدنا إبراهيم-عليه السلام- حدث مع سيدنا محمد -عليه السلام- بالضبط، وما حدث مع سيدنا موسى-عليه السلام-  حدث مع سيدنا عيسى -عليه السلام-  بالضبط.

الشعوب يورث بعضها لبعضٍ الحقد والكفر بالأنبياء، فهل يأتي للأنبياء الإحساس أم يأتي إليهم الوحي؟، الإجابة : مرتبة النبوة تستلزم أن يأتيه الوحي، فيقول له : يا عيسى إن هؤلاء القوم يحقدون عليك، ويكفرون بالله، فالقرآن الكريم أخذنا إلى جزءٍ جميلٍ وهو إحساسُ النبي الداخلي قبل الرسالة أن هؤلاءِ الناسِ لن يتحملوا الرسالة، ولن يصمدوا معه، وسيدنا عيسى يريد التحول إلى أرض فلسطين، ومنها إلى مصر وسوريا.

الله تعالى يُعلِي من شأنِ سيدنا عيسى –عليه السلام- لأن الإحساسَ بالخطرِ يأتي من دوافع إيمانيةٍ عاليةِ لدى الأنبياء، قال تعالى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} [آل عمران: 173 {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } [آل عمران: 174، 175] ، أي: كلما تكتل الناسُ على الأنبياء فإن نصر الله يؤازرهم إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان الصحابة قد نصرهم الله بقولهم : (حسبنا الله ونعم الوكيل)، قال تعالى : (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ).

 

 

 

 

 الآيات تُعَيِّشُ الإنسانَ مرحلةً إيمانية جميلة، قال تعالى : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ) أي : قال ونادى بصوت مسموع، عندما شعر أن قلوبهم قاسية لا تدرك حلاوة الإيمان، وعندما رأى أبدانًا كالحةً لا تنتصر للحق، وقتها أحسَّ أنهم سيغدرون به، فالنية أصبحت مُبَيَّتةً لديهم والكراهيةُ أعمت قلوبهم، فقلوبهم لم تذق حلاوة الإيمان، فقال : (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، وكأنه يلقي محاضرة جميلة حتى يعرف عدوه من حبيبه، (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) : أي إلى تبليغ رسالة الله.

سألهم عيسى وقال لهم : من يكون دليلي إلى الله فيكون رفيقي بعدها في الجنة؟، السؤال به براعةُ استهلالٍ، وفيه تهييجٌ لمشاعر الإيمان، وذلك لمن ذاقُوا حَلاوةَ الإيمان، والمهم أن يصدقوا مع الله تعالى وسيدنا عيسى -عليه السلام- في نفس الطريق، فالطريق إلى اللهِ ليسَ كلاماً، ولا فصاحة ولا بيان، وإنما صبرٌ واحتمالٌ على الأهوال والمصاعب والأزمات.

 

قال تعالى : {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) } [آل عمران: 52]، المهم أن الرسالة قد وجدت أذاناً صاغية حتى لو كانت أذن واحدة، كذلك لم يجد يونس -عليه السلام- أذناً واحدة تسمع كلما حاول أن يقول : لا إله إلا الله يُسكتوه.

 

قال تعالى : ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ): تكلم القرآن عن هؤلاء القوم (الحواريين) في سورة الصف وأعطاك جانباً من رد فعلهم، حيث انقسم الحواريون إلى نصفين نصفٌ مؤمنٌ ونصفٌ نطق بالإيمان بلسانه، وكفَرَ بقلبه.

 قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)} [الصف: 14] ، وتلك مراحل الجهاد والمجاهدة التي عاشها الأنبياء لأنه قد أعدهم الله لذلك.

قال تعالى (آمَنَّا بِاللَّهِ): أي هذه الطائفة التي آمنت يعتقدون أن عيسى بشر، والله هو الإله، فالتوحيد لله واضحٌ.

 

قال تعالى : {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 53، 54] : نفس هذا النص القرآني ذكره الله تعالى مع القساوسة الذين آمنوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا ثلاثين، وقيل وكانوا 12، فلما هاجر الصحابة في العام الخامس من البعثة، أمرهم النبي أن يخرجوا إلى الحبشة وذلك بعد أن ضاقت بهم الأرض بما رحُبَت، فكانت أرضَ صدقٍ، وفيها ملكٌ عادلٌ صادقٌ كما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، والعرب لم يكونوا يحبون البحر، ولكن كان إجبارياً عليهم.

فلما ذهبوا ومعهم جعفر بن أبي طالب، والصحابة الكبار رضي الله عنهم، وسمع القساوسة منهم سورة مريم آمنوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يشاهدوه، وأرادوا أن يقابلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فركبوا البحر حتى وصلوا جدة، إلى  أن دخلوا ليلاً إلى مكة، وقابلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنى في مسجد يسمى بـ (البيعة) أو (الإجابة).

 

مسجد البيعة، هذا المسجد من الصعب أن  تصل قريشٌ إليه لأنه جزء من تكوين جبل وداخل فيه، فلما دخلوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا : أسمعنا القرآن، فنزل في ذلك قوله تعالى)  وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ )، هذا نفس الكلام الذي قاله الحواريون لعيسى عليه السلام، فقال القساوسة كما يقول الحق تبارك وتعالى : {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} [المائدة: 84].

 كما يقول الحق تبارك وتعالى أيضًا : {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} [المائدة: 84].

 

أنوارُ التفسيرِ

(501)

الآياتِ : 52-53- 54

سورةُ آلِ عمران

لفضيلة الأستاذ الدكتور

أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإسلامي

الثلاثاء 1/8/2017