الدعاء والعطاء

  الدعاء والعطاء

 

 مَتَى أطلَقَ لسانَكَ بالطلبِ فاعلم أنه يُريدُ أن يعطيكَ)

 

  • مقدمة الحكمة :

لك الحمد على نَعمَائِك ومزيد إحسانك وكريم فضلك، تعطي المزيد، وتفعل ما تريد وتخلق ما تشاء وتختار، والصلاة والسلام على خير الأخيار وإمام الأبرار أشرف الأعراب والعجم، خير من يمشي على قَدَم، وعلى آله وصحبه أهلُ الثناءِ والرجاءِ.

  • نُبذَة عن صاحبِ الحكمةِ :

هذا الإمام صاحبُ الحكم على الإطلاق، وكلامه ذهب وحكمه نوادر وعده درراً، لأن كلامَهُ يجمع كل معاني الإيمان والإسلام والإحسان والقرب والمناجاة إلى الله تعالى.

  • عُنوانُ الحِكمةِ :

(مَتَى أطلَقَ لسانَكَ بالطلبِ فاعلم أنه يُريدُ أن يعطيكَ)، هذه الحكمة فيها من المعاني العظيمةِ ما لا يستطيع الفردُ أن يحصيها، لكن إحساس العالم بالحكمة إحساسٌ عظيمٌ لا يدركه من سواه وبخاصة في هذه الأمور الجميلة .

  • مرحلة السؤال:

كذلك الذين لا يدعون الله لا يعرفون قدر الله، وهم محجوبون عن الطلب وعن رحمة الله لأنهم لم يدربوا أنفسهم على أن يقولوا يا الله، هؤلاء القوم لم يَصِلُوا لمرحلة السُّؤال كي تأتيهم الإجابة فأنت إذا سألت أُعطِيتَ وإذا لم يسأل الإنسان  يبقى محروماً.

  • حال الصحابة مع طلب الدعاء:

كان من حال الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم كانوا يأتون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليطلبوا تعلم أدعية معينة منه، فالصِدِّيقُ -رضي الله عنه- قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- علِّمني دعاءًا أدعوا به فقال له (ربِّ إنِّي ظلمت نفسي ظُلماً كثيراً فاغفر لي فإنه لا يغفرُ الذُنُوبَ إلاَّ أنتَ)، فهذا مثل لما علمه النبي لأصحابه في طلب الحاجة من الله.

كما كان الصحابة يتعلمون أدب السؤال مع الله سبحانه وتعالى، وكيفية الإلحاح والطلب من الله ووقت هذا الطلب، كما كانوا رضي الله عنهم حريصين على تعلم أدب السؤال والإلحاح على الله تعالى في يوم بدر وفي غيره، فيومُ بدرٍ كان صعباً مُرهِقًا أظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه التذلل لله عز وجل بكل صوره حتى أتاه النصرُ من الله، ويقول تعالى جل شأنه : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9).

قال تعالى : " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "، فكل طلب صادق تأتي له إجابةٌ عاجلةٌ مريحة لصاحبه، وكل طلب  يطلبونه لا صدق فيه فهو خواء، وهؤلاء عن رحمة ربهم محجوبون، وعن طريق الله بعيدون لأنهم لم يستشعروا معنى الحاجة إلى الله تعالى، وحين شاهدَ أحدُ السلفِ رجلاً استخف بالدعاء لله تعالى، فلم يظهر القنوت له، ولا استحضار القلب واستجماع الوجه والعواطف والمشاعر عند السؤال كأن يكون في حالةٍ من اللاوعي، وعدم الإدراك لما يقول كما هو حال الناس في هذه الأيام، فقال : (كأنه ليس له إلى الله حاجة) أي : لا يحتاج لله عز وجل كما يقولون، ولو كان يحتاج إلى الله لأطال التضرعَ والإنابةَ والتبتل بين  أيدي قيوم السماوات والأرض.

  • عوامل اختيار الحِكِم :

من عوامل اختيار الحكم أن تلامس شغاف القلب أولاً، وأن يستشعرها المؤمنُ بقلبه وكل حواسه في الوقت الذي تجد فيه كثيرون مُغَيَّبُون عنها، فمثلاً الصائمُ له دعوةٌ لا تردُّ وكثيرٌ من الناس يصومون ويغفُلون عن الدعاء وقت دخول المغرب لعدم وعيهم بأهمية الدعاء والمناجاة ولاشتياقهم إلى الطعام والشراب.

ومتى أقامك الله على الطلب أعطاك الإجابة، ومتى أقامك على الطلب وجب حضور قلبك وذهنك في وقت هذا الطلب، قال تعالى : " مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ "، فالإنسان إذا لم يكن حاضراً وقتِ الطلب فكيفَ يستجيب الله لهُ؟، كما قال الصديق رضي الله عنه للنبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر : ( إنا نعلمُ يا رسولَ اللهِ أنك لو ناشدت ربَّك استجابَ لكَ ).

فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- داعياً حتى رُؤيَ بياض إبطيه، وعُفر إبطيه : أي عمقهما، حتى جاءه النصر من شدة دعائه وتبتله، فهل رأى الناسُ مشهداً أعظم من هذا في حياتهم؟، لذا كان حريا بكل مسلم متى أحسَّ بالطلب ودعا يأتيه الإجابة، وإن لم تأت الإجابةُ فوريةً فاعلم أن الله تعالى يدخر لك خيراً منها، ومتى أقامك الله -عز وجل- على الطلب فلن يرد لك سؤالاً، وهذا الكلامُ ينطبقُ على من يستطيعون استحضار قلوبهم في أوقاتِ غفلاتِ الناس، لذا أفضلُ وقتٍ للتضرعِ بين يدي الله تعالى، والدعاءُ المسموعُ هو الدعاءُ في جوف الليل.

لذا هيِّجِ وشَوِّق وحضِّر قلبك إلى الله تعالى في أوقات وغفلات الناس.

  • مرحلة الترقية :

 ويعتبر من أهم ما يستفاد من هذه الحكمة أن الدخول في الدعاء بالقوة التي أرادها صاحبُ الحكمة الشيخ الإمامُ ابن عطاءِ اللهِ السكندري، والتي تُعتَبَرُ مرحلةً من (الترقية) هي من أقوى متطلبات الاستجابة من قبل المولى سبحانه وتعالى.

لأن الله تعالى رقى عبده فجعله يعرف الميقات والكيفية الذي يقول بمقتضاها : يا الله، كما قواه الله -عز وجل- حتى استطاع أن يتبتل بين يدي قيوم السماوات والأرض في وقت الصلاة وبعد الصلاة، وفي قيام الليل إلى أن تبكي عيناه، وفي هذه الساعة يكونُ قد تقبلَ اللهُ منه وتسمى هذه المرحلة بمرحلة " الإحساس بالمُنعِم عليه " جل في علاه.

  • مرحلة الاستغاثة :

حالُ الأنبياءِ عندما يشتدُّ الأمرُ عليهم يتوجهون بالاستغاثة إلى الله، فنوح -عليه السلام- دخل في مرحلة الطلب والاستغاثة بالله عز سبحانه وتعالى : "  فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ "، وهنا تهيأ الكونُ لمعجزة الله التي أحدثها في الأرض من أجل دعوةِ عبده ونبيه نوحٌ عليه السلام، لأنه أخذ بالأسباب ففتح الله له السماء لتُنزل ماءها صبًا صبًا، وفتح له الأرض لتُخرِج ماءَهَا، وتفجرت أنهارُها لتلتقي هذه المياه مع مياه السماوات على أمرٍ قدَّره اللهُ عز وجل، قال تعالى : (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فجاءه النصر من عند الله العزيز الحكيم.

  • استغاثة الرسول محمد:

استنجد النبيُّ محمدٌ صلوات ربي وسلامه عليه بالملك فأغاثه الملك جلَّ في علاه، فقال تعالى : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ )، وهذه مرحلةٌ جديدةٌ تسمى : (بالاستغاثة)، و(الاستغاثة مرحلةٌ من مراحل الطلب) أي: الدعاء وطلب النجدة من الله.

  • لا يردُّ القدرَ إلا الدُّعاء :

موضوع الحكمة الذي يقول : (متى أقامك على الطلب فقد ضمن لك الإجابة، ومتى دعوته فاعلم أنه أراد أن يستجيب لك، ومتى كان لك همَّة ورغبة في الدعاء فهذا تغييرٌ للأقدار)، قال صلى الله عليه وسلم : (لا يردُّ القدرَ إلا الدعاء)، فمتى أقامك على الطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك لأنك إذا لم تطلب لن يعطيك.

 قال تعالى: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ "، وأيضًا قوله تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60).

إذًا أنت لم تطلب إحسانَهُ، ولم تقف في ساحته موقف الذليل المُعتذِر، الطالب لعفوه، الراجي لمغفرته ورحمته، إذًا لم تفعل كل هذا لن يتغير من حالك شيئًا، وكيف لفقير ضعيف هو (أنا وأنت) أن يغير من حاله دون أن يستعين بالقوي جل في علاه؟، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ).

  • الطلب مرتبة بعيدة المنال:

الطلب مرتبة عالية لمن استطاع أن يتذوق معناه ويتجرعه جيدًا، لأن المناجاةَ في حد ذاتها إقرار من العبد واعتراف صريح بالحاجة إلى الله تعالى، فاللهُ يحب أن يراك محتاجاً إليه، والذي لا يسأل الله يغضب الله تعالى عليه، لأنه بذلك لم يدخل في مرتبة العبودية، ولو دخلها لاستشعر مرتبة الربوبية لله تعالى.

قال تعالى : " وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ "، وهنا يعطيك اللهُ عطاءًا واسعًا بلا حدود بكرمه، ولطفه، وعنايته، ومنُّهُ، وخزائن عفوه بلا حدود، وذلك لأنك تركت الدنيا خلف ظهرك، وكنت عبدًا ربانيًا تخليت عن المُعّطِّلاَتِ، والمحبطات، وعن المعوقات، و " المَطَبَّاتِ " التي في حياتك، لذا انظر إلى حجم عطائه سبحانه وتعالى.

لكن المشكلة أننا لم ندخل هذه الأماكن الجميلة، ولم نَرتَدها، فما تعرفنا على عفوه ولا كرمه وما رجونا نواله، لأن حظنا من الصلاة أن نؤديها وكفى، ولأن حظنا من الصيام أن نؤديه وكفى، وحظنا من الحج أن نؤديه وكفى، حتى قال الملكُ :( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198).  

إذًا لم ندخل هذه المجالات الجميلة، وهي التعرف على رحمة وكرم وعفوا الله تعالى بالدعاء.

قال تعالى : (  فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)(198) .

أي: لابد أن تكون موجوداً في المعية الإيمانية الربانية، وقلبُك ولسانك وذهنك حاضر، ولستَ غائباً في مكانٍ لا ينبغي أن تغيبَ فيه.

إن كثيراً من الناس لا يعرفون الله تعالى إلا عندما يشتد البلاء عليهم، وهذا لا حرج فيه أيضاً لأن الله تعالى كريم في أي وقت، وحتى لو أعطى ظهره للملك طول عمره ثم احتاج إليه ذات مره فتحولت من مقام التكبر والغطرسة إلى مقام التذلل سيستجيب لك.

  • استشعار مرتبة العبودية لله :

 المهمُ أن تعيشَ اللحظة التي ترى نفسك فيها لصيقاً بالأرض كبشرٍ ذليلٍ مكسورٍ كسيرٍ، متعلقٍ برحمة الله تعالى في السماء، وهي استشعار لمرتبة العبودية، استشعار لمرحلة الكرب الذي احتبسك واحتواك واعتراف العبدُ أنك لن تتخلص من هذا الكرب إلا بمشيئة الله تعالى، والاستعانة به، وليس لك ملاذٌ إلا باب الله تعالى.

  • استحقاق العبد الاستجابة و(الترقية):

متى أقامك على الطلب : أي متى دخلت في مرحلة المناجاة والرجاء، والثناء، والتبتل والتضرع والإنابة هذه الأشياء الجميلة والكنوز الفريدة، فاعلم أن اللهَ يريدُ أن يرقيك، ولكن  قبل أن يرُقِّيَك عليك أولاً أن تكون مستحقًا لهذه الترقية، كما أنه أثناء الدعاء لابد أن يكون عندك إحساسٌ بمن تناجي، ومع من تتحدث فأنت تناجي وتتحدث مع الكبير المتعال.

كلنا في حاجة إلى هذه الحكمة التي أبدع فيها الإمام ابن عطاء السكندري، وما أروعها من حكمة لو أردنا أن نتكلم عنها بتفاصيلها ودقائقها وأسرارها سيحتاج الأمر إلى ساعات طوال.

قال تعالى: " وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ"، ففي هذه الحالة إذا لم يذكر زكريا ربه بإلحاح، لم يكن للملكِ أن يقولَ له : " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ".

وهذه الإجابات كلها مُرتَّبَةً على قوله تعالى : " وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ "، فقد يكون المرء طرق جميع أبواب الخلق، وسافر من مكان إلى مكان ولكنه نسي أن يطرق باب الرحمن ويقول " يارب "، فلو كنت في مقام الطلب لأعطاك، لكنك أقمت نفسك في مقام القوة فكيف تجتمعُ قوتَكَ مع قوة الملك؟، فلابد أن تُظهِر التذلل لله تعالى،

قال تعالى : ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ )، أي: لابد أن تناجيه دون استخفافٍ به، دون أن تكون منصرف بقلبك عن الله ولا ساهيًا عنه، ومما يجدر الإشارة إليه أن الشيخ ابن عطاء الله السكندري له أسبقية جميلة في حضور القلب والروح وما كانت كلماته إلا ذهباً.

موضوع الحكمة والذي يتحدث في ملخصه عن : أن الله متى أقامَكَ على الطلب فأعلم أنه يريد أن يعطيك، وأعلم أنه تعالى كاشفٌ كربك ومقيلٌ عثرتَكَ، ومستجيبٌ ومؤيدٌ ومدعمٌ وناصرٌ لك، حتى وإن تخلى عنك البشر كلهم، أقامك في مقام الطلب لكي ينجيك، ويُغيثك، أقامك لكي يُعطيك ويغسل أوزارك، لكي يمنحُك، وينجحك، لا يُؤتي هذا كله إلا من خزائن رحمة الله، التي وسعت كل شيءٍ رحمةً وعلمًا.

 

جميع برامج فضيلة الدكتور تجدونها على

www.AhmedAbdouAwad.com

الموقع الإلكتروني الجديد لقناة الفتح للقرآن الكريم  www.alfath.tv

 

 

للإمامِ (ابنُ عطاءِ اللهِ السَّكَندَرِيِّ)

بعنوان: (متى أطلقَ لسانكَ بالطلبِ فاعلم أنهُ يريدُ أن يعطيكَ)

لفضيلة الأستاذ الدكتور/

أحمد عبده عوض

الداعية والمفكر الإس

لربانيةُ (201)لامي الكبير

الأحد 27 /8/2017

 

 

تسجيل الدخول