قيمٌ إيمانية في ضوء الهجرة النبوية

الإخلاص، والسلامة من الأغراض الشخصية: فالإخلاص روح العظمة، وقطب مدارها، والإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، وهو يجعل في عزم الرجل متانة فيسير حتى يبلغ الغاية.

ولولا الإخلاص يضعه الله في قلوب زاكيات لحُرم الناس من مشروعات عظيمة تقف دونها عقبات كبرى، ومن مواطن العبرة في قصة الهجرة أن الداعي إلى الإصلاح متى أوتي حكمة بالغة، وإخلاصاً نقيَّاً، وعزماً صارماً؛ هَيَّأَ الله لدعوته بيئة طيّبة فتقبلها، وزيَّنها في قلوب قوم لم يلبثوا أن يسيروا بها، ويطرقوا بها الآذان، فَتُسِيغها الفِطَرُ السليمةُ، والعقول التي تقدّر الحُجج الرائعة حق قدرها، وهكذا كان - صلى الله عليه وسلم -، حيث لم يرد بدعوته إلا الإخلاص لله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ فكان متجرداً من حظوظ النفس ورغائبها؛ ولم يك يطلب بدعوته هذه نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته، وبلاغة منطقه، وكرم خلقه؛ ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو شاء، وما كان حريصاً على بسطة العيش فيبغي بهذه الدعوة ثراءً؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يُصَبُّ في مسجده رُكاماً لا يختلف عن عيشه يوم كان يلاقي في سبيل الدعوة أذىً كثيراً، ثم إن الهجرة كانت دليلاً على الإخلاص والتفاني في سبيل العقيدة؛ فقد فارق المهاجرون وطنهم، ومالهم، وأهليهم، ومعارفهم؛ إجابة لنداء الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا درس عظيم يستفيد منه المسلمون فائدة عظمى أن الإخلاص هو السبب الأعظم لنيل المآرب التي تعود على الأفراد والأمة بالخير.

أما عن الاعتدال حال السراء والضراء: فيوم خرج - عليه الصلاة والسلام - من مكة مكرهاً لم يخنع، ولم يذل، ولم يفقد ثقته بربِّه، ولما فتح الله عليه ما فتح، وأقرَّ عينه بعزِّ الإسلام، وظهور المسلمين؛ لم يَطِشْ زهواً، ولم يتعاظم تيهاً؛ فعيشته يوم كان في مكة يلاقي الأذى، ويوم أخرج منها كارهاً؛ كعيشته يوم دخل مكة ظافراً، وكعيشته يوم أظلت رايته البلاد العربية، وأطلَّت على ممالك قيصر ناحية تبوك، وتواضعه وزهده بعد فتح مكة وغيرها كحاله يوم كان يدعو وحيداً، وسفهاء الأحلام في مكة يضحكون منه ويسخرون

كُلاً بلوتُ فلا النعماء تُبطرني                ولا تَخَشَّعتُ من لأوائها جزعاً

والدرس المستفاد من هذا المعنى واضح جلي؛ إذ الأمة تمرُّ بأحوال ضعف، وأحوال قوة، وأحوال فقر، وأحوال غنى؛ فعليها لزوم الاعتدال في شتى الأحوال؛ فلا تبطرها النعماء، ولا تُقَنِّطها البأساء، وكذلك الحال بالنسبة للأفراد.

اليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين: فالذي ينظر في الهجرة بادئ الرأي يظن أن الدعوة إلى زوال واضمحلال، ولكن الهجرة في حقيقتها تعطي درساً واضحاً أن العاقبة للتقوى وللمتقين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعلِّم بسيرته المجاهدَ في سبيل الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل، ولا يَهَنَ في دفاعهم، وتقويم عِوَجِهم، ولا يَهُولُه أن تُقبِلَ الأيام عليهم، فيشتدَّ بأسهم، ويُجْلِبوا بخيلهم ورجالهم؛ فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا، والذين هم مصلحون، ولقد هاجر - عليه الصلاة والسلام - من مكة في سواد الليل مختفياً، وأهلها يحملون له العداوة والبغضاء، ويسعون سعيهم للوصول إلى قتله، والخلاص من دعوته، ثم دخل المدينة في بياض النهار مُتَجلِّياً قد استقبله المهاجرون والأنصار بقلوب مُلِئَت سروراً بمقدمه، وابتهاجاً بلقائه، وصاروا يتنافسون في الاحتفاء به، والقرب من مجلسه، وقد هيئوا أنفسهم لفدائه بكل ما يَعزُّ عليهم، وأصبح - عليه الصلاة والسلام - كما قال أبو قيس صرمة الأنصاري:

ثوى بقريش بضع عشرة حجـــة                يذكر لو يلقى حبيبـاً مـواتيا

ويعرض في أهل المواسم نفســـه                 فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا

فلما أتانا واستقـر به النـــوى                   وأصبح مسروراً بطيبة راضـياً

وأصبح لا يخشى ظلامة ظـــالم                   بعيد ولا يخشى من الناس باغياً

بذلنا له الأموال من حلِّ مـــالنا                  وأنفسـنا عند الوغى والتآسيا

نعادي الذي عادى من الناس كلهم                   جميعاً ولو كان الحبيب المصافيا

ونعلم أن الله لا رب غيــــره                   وأن كتاب الله أصبـح هاديـاً

تسجيل الدخول