دروس وفوائد وعبر من سيرة سيد البشر6

17 ـ التضحية في الهجرة :

كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)(39) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله في الحمى ، وكان واديها يجري نجلاً ـ يعني ماء آجناً ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه ، قال : فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة ، وبلال في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهما ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك(40)، فدنوت من أبي بكر فقلت : يا أبت كيف تجدك؟ فقال:

كل امرئ مصبح في أهله           والموت أدنى من شراك نعله

قالت : فقلت والله ما يدري أبي ما يقول : ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت : كيف تجدك يا عامر؟ فقال :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه(41)          كالثور يحمي جلده بروقه(42)

قالت : فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول . قالت : وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته(43) ويقول :

ألا ليت شعري هل أبيت ليلة            بواد وحولي إذخر(44) وجليل

وهل أُرِدَن يوماً مياه مَجِنَـة            وهل يبدون لي شامة وطفيل(45)

قالت : فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة)(46).

ولا يخفى دور أم معبد رضي الله عنها في الهجرة، فكانت مكافأتها منه صلى الله عليه وسلم جزيلة. فقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم(47) .

 18 ـ حسن المكافأة :

وقد روي أنها كثرت غنمها ونمت حتى جلبت منها جلباً إلى المدينة ، فمر أبو بكر ، فرآه ابنها فعرفه ، فقال : يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت: يا عبدالله من الرجل الذي كان معك؟ قال : أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال : هو نبي الله ، فأدخلها عليه ، فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها ـ وفي رواية : فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من أقط ومتاع الأعراب ، فكساها وأعطاها ، قال : ولا أعلمه إلا قال : وأسلمت ، وذكر صاحب (الوفاء) أنها هاجرت هي وزوجها ، وأسلم أخوها حبيش، واستشهد يوم الفتح(48).

 19 ـ هكذا يكون الأتباع :

قال أبو بكر الأنصاري رضي الله عنه : ( ولما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي الله ـ بأبي أنت وأمي ـ إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فأظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل . فقال : يا أبا أيوب: إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت قال : فلقد انكسر جب لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه(49).

 20 ـ الهجرة النبوية نقطة تحول في تاريخ الحياة :

كانت الهجرة النبوية في مكة المشرفة إلى المدينة المنورة أعظم حدث حول مجرى التاريخ ، وغير مسير الحياة ومناهجها التي كانت تحياها ، وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات وعقائد و تعبدات وعلم ، ومعرفة ، وجهالة وسفه ، وضلال وهدى ، وعدل وظلم(50) .

تسجيل الدخول