دروس وفوائد وعبر من سيرة سيد البشر4

12 ـ استمرار الدعوة في أحلك الظروف :

أ ـ في الطريق أسلم بريدة الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه :

إن المسلم الذي تغلغلت الدعوة في شغاف قلبه لا يفتر لحظة واحدة عن دعوة الناس إلى دين الله تعالى ، مهما كانت الظروف قاسية والأحوال مضطربة ، والأمن مفقود ، بل ينتهز كل فرصة مناسبة لتبليغ دعوة الله تعالى ، هذا نبي الله تعالى يوسف عليه السلام حينما زج به في السجن ظلماً ، واجتمع بالسجناء في السجن، فلم يندب حظه ، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التوحيد وتبليغها للناس ومحاربة الشرك وعبادة غير الله والخضوع لأي مخلوق قال تعالى : ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ (سورة يوسف: الآيات37-40) .

وسورة يوسف عليه السلام مكية ، وقد أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والمرسلين في دعوته إلى الله وذلك نجده صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة وقد كان مطارداً من المشركين قد أهدروا دمه وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة ليأتوا برأسه حياً أو ميتاً ، ومع هذا فلم ينس مهمته ورسالته ، فقد لقي صلى الله عليه وسلم في طريقه رجلاً يقال له بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه ، فدعاهم إلى الإسلام فآمنوا وأسلموا(23).

وذكر ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة لقي بريدة بن الحصيب بن عبدالله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام، وقد غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ست عشرة(24) غزوة وأصبح بريدة بعد ذلك من الدعاة إلى الإسلام وفتح الله لقومه أسلم على يديه أبواب الهداية* ، واندفعوا إلى الإسلام وفازوا بالوسام النبوي الذي نتعلم منه منهجاً فريداً في فقه النفوس(25) قال صلى الله عليه وسلم: (أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ، أما والله ما أنا قلته ولكن الله قال)(26) .

 ب ـ وفي طريق الهجرة أسلم لصان على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

كان في طريقه صلى الله عليه وسلم بالقرب من المدينة لصان من أسلم يقال لهما المهانان ، فقصدهم صلى الله عليه وسلم وعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان ، فقال : بل المكرمان ، وأمرهما أن يقدما عليه المدينة(27) ، وفي هذا الخبر يظهر اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله حيث اغتنم فرصة في طريقه ودعا اللصين إلى الإسلام ، فأسلما ، وفي إسلام هذين اللصين مع ما ألفاه من حياة البطش والسلب والنهب دليل على سرعة إقبال النفوس على اتباع الحق إذا وجد من يمثله بصدق وإخلاص ، وتجردت نفس السامع من الهوى المنحرف ، وفي اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتغيير اسمي هذين اللصين من المهانين إلى المكرمين دليل على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بسمعة المسلمين ومراعاته مشاعرهم إكراماً لهم ورفعاً لمعنوياتهم .

وإن في رفع معنوية الإنسان تقوية لشخصيته ودفعاً له إلى الأمام ليبذل كل طاقته في سبيل الخير والفلاح(28).

 13 ـ أهمية العقيدة والدين في إزالة العداوة والضغائن :

إن العقيدة الصحيحة السليمة والدين الإسلامي العظيم لهم أهمية كبرى في إزالة العداوات والضغائن ، وفي التأليف بين القلوب والأرواح ، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تقدم به وها قد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلامية بين الأوس والخزرج ، وأزالت آثار معارك استمرت عقوداً من الزمن ، وأغلقت ملف العقيدة في نفوس الأنصار ، فاستقبلوا المهاجرين بصدور مفتوحة ، وتآخوا معهم في مثالية نادرة ، لا تزال مثار الدهشة ومضرب المثل ، ولا توجد في الدنيا فكرة أو شعار آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصافية في النفوس .

ومن هنا ندرك السر في سعي الأعداء الدائب إلى إضعاف هذه العقيدة وتقليل تأثيرها على نفوس المسلمين ، واندفاعهم المستمر نحو تذكية النعرات العصبية والوطنية والقومية وغيرها ، وتقديمها كبديل للعقيدة الصحيحة(29).

14 ـ الحفاوة بالدعوة وحاملها :

كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب من أنصار ومهاجرين بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله إليهم سالماً فرحة أخرجت النساء من بيوتهن والولائد، وحملت الرجال على ترك أعمالهم ، وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك لسكانها في الفرحة ظاهراً ، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطناً ، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم ، فلا عجب فيها ، وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور ، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه ، وهم الذين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا السيطرة عليه ، وبالغيظ والحقد الأسود على من يسلبهم زعامتهم من الشعوب ، ويحول بينهم وبين سلب آمالهم باسم القروض ، وسفك دمائها باسم النصح والمشورة ، وما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم ، وينتهون من الحقد إلى الدس والمؤامرات ، ثم إلى الاغتيال إن استطاعوا ، ذلك دينهم ، وتلك جبلتهم(30).

ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية استقبال الأمراء والعلماء ، عند مقدمهم بالحفاوة والإكرام ، فقد حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا الإكرام وهذه الحفاوة نابعين من حب للرسول بخلاف ما نراه من استقبال الزعماء والحكماء في عالمنا المعاصر، ويستفاد كذلك التنافس في الخير وإكرام ذوي العلم والشرف ، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعرض أن يكون رجاله حراساً له ، ويؤخذ من هذا إكرام العلماء والصالحين ، واحترامهم وخدمتهم(31).

تسجيل الدخول