دروس وفوائد وعبر من سيرة سيد البشر3

9 ـ عفة الداعية عن أموال الناس :

لما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن سراقة عرض عليه سراقة المساعدة فقال: (وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لي فيها)(13).

فحين يزهد الدعاة فيما عند الناس يحبهم الناس ، وحين يطمعون في أموال الناس ينفر الناس عنهم ، وهذا درس بليغ للدعاة إلى الله تعالى(14).

 10 ـ جندية منقطعة النظير:

تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأبو بكر رضي الله عنه عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة (فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك) وفي رواية البخاري، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر ـ وهو الخبط ـ أربعة أشهر) . لقد كان يدرك بثاقب بصره رضي الله عنه وهو الذي تربى ليكون قائداً ، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ، ورتب تموينها ، وسخر أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن : فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ , إنها قمة الفرح البشري؛ أن يتحول الفرح إلى بكاء ، كما قال الشاعر عن هذا :

ورد الكتاب من الحبيب بأنـه        سيزورني فاستعبرت أجفاني

غلب السرور علي حتى إنـني       من فرط ما قد سرني أبكاني

يا عين صار الدمع عندك عادة       تبكين من فرح ومن أحزاني

فالصديق رضي الله عنه يعلم أن معنى هذه الصحبة ، أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يوماً على الأقل وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز : أن يتفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعاً برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة(15)، وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته؛ فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين(16) ، ويظهر الحس الأمني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة منها؛ حين أجاب السائل : من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: هذا هاد يهديني السبيل ، فظن السائل بأن الصديق يقصد الطريق، وإنما كان يقصد سبيل الخير ، وهذا يدل على حسن استخدام أبي بكر للمعاريض فراراً من الحرج أو الكذب(17) وفي إجابته للسائل تورية وتنفيذ للتربية الأمنية التي تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الهجرة كانت سراً وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك(18) ، وفي موقف علي بن أبي طالب مثال للجندي الصادق المخلص لدعوة الإسلام ، حيث فدى قائده بحياته ، ففي سلامة القائد سلامة للدعوة، وفي هلاكه خذلانها ووهنها ، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه ولكن علياً رضي الله عنه لم يبال بذلك, فحسبه أن يسلم رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم نبي الأمة وقائد الدعوة(19).

11 ـ حسن القيادة والرفق في التعامل :

يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص ، لم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية ، أو رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع ، ومن أسباب هذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفاته القيادية الرشيدة ، فهو يسهر ليناموا ، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا ، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ، فمن سلك سنن الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته ، في حياته الخاصة والعامة ، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وكان عمله لوجه الله أصابه من هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام(20).

وصدق الشاعر الليبي عندما قال :

فإذا أحب الله باطن عبده            ظهرت عليه مواهب الفتاح

وإذا صفت لله نية مصلح            مال العباد عليه بالأرواح(21)

إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها ، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود ، فقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً وشفوقاً بجنوده وأتباعه ، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفين والمفتونين ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة(22).

 

تسجيل الدخول