حاجة الأمة إلى الهجرة

طباعة

إن الأمة كلها مدعوَّة اليوم لكي تراجع فهمها للهجرة في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” وعندما نفهم الهجرة في ضوء هذا الحديث سنعلم أن كل فرد في هذه الأمة مطالب بممارسة التهاجر يوميًّا؛ لأنها ستعني كراهية الباطل وهجره ومحاولة تغييره.

وهذه عملية يمارسها المسلم في كل لحظة من لحظات حياته؛ لأنها ثمرة من ثمرات الحب في الله والبغض في الله، وغيرة الدائمة على هذا الدين.

إن الهجرة في معناها الحقيقي هي الدعوة إلى إصلاح أحوال الأمة بالعودة إلى أصولها الصحيحة، وإحداث حالة من التحوُّل السلوكي والأخلاقي والثقافي والاجتماعي، إلى الإسلام ممارسةً وانتماءً وأخلاقًا ومعاملات، وهذا التحوُّل لن يكلف صاحبه إلا النية الصادقة والثبات على ما يدعو إليه من حق؛ مهما كلفه هذا الثبات من تضحيات، وهذا هو الجهاد الذي نفهمه من قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: “… ولكن جهاد ونية” في الحديث السابق.

عندما نفهم الهجرة هذا الفهم الصحيح فإننا نستطيع الإجابة عن السؤال الذي هو عنوان المقال فنقول: “لقد بقيت الهجرة كلها ولم يذهب منها إلا الانتقال البدني من مكان إلى مكان، وهو أمرٌ لم نعد بحاجة إليه اليوم، ولن نحتاج إليه في المستقبل بعد أن قامت دولة الإسلام وامتدت لتشمل معظم بقاع الأرض”.

وإنما الحاجة ستظل ماسةً إلى ممارسة الدعوة، وتعديل المفاهيم، وإيقاظ الهامد من المشاعر، وإثارة الخامل من الأحاسيس، وتحويل المعلوم من الدين إلى ممارسة عملية؛ حتى تتخلَّص الأمة من حالة الفصام الكريه بين ما تعتقده عقيدةً وما تمارسه سلوكًا، ويومها يستطيع كل فرد من أفراد الأمة أن يجد لنفسه مكانًا ونصيبًا مع الذين عناهم الحق سبحانه وتعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)﴾ (التوبة).

ولا يحسب القارئ الكريم أن أمر الهجرة صعبٌ عسيرٌ، بل هو أمرٌ ميسورٌ إذا توفَّرت له النية الخالصة، والرغبة الصادقة في مجاهدة الأهواء، وإلجام النزوات، وترشيد الميول، وضبط الشهوات، وربما كان توفُّر النية ووجود الرغبة هو أشقَّ ما في الهجرة؛ فذلك أمرٌ لا يتيسَّر لكثير من الناس.

ومن هنا رأينا غالب الناس لا ينشطون إلى محاسبة أنفسهم وحملها على الطاعة والالتزام بالحق؛ لأن سلطان النفس، واستحكام العادة، وإثبات الراحة، ووسوسة الشيطان كلها تجتمع لتفسد في القلب تلك النية، وتطفئ في الضمير تلك الرغبة فيؤثر الارتكاس في وحله والتلبُّط في جهله، والركون إلى ضلاله القديم.

إن كل إنسان يستطيع- إن أراد وكان صادقًا- أن يمارس الهجرة إلى الله، إذا هو فكَّر في أمر نفسه فعلم أنه ميت لا محالة، وأدرك أنه بعد الموت موقوف بين يدي خالقه، وأنه منذ ولدته أمه ماضٍ في الطريق وصولاً إلى الله، وأن الطريق يوشك أن ينتهي، وأن أمرَ الحياة يوشك أن يُطوَى وينقضي، فإذا علم ذلك واستيقنه فإنه لا بد أن يعود إلى نفسه، ويستدرك الفارق من أمره، ويطلب العون من ربه، ويندم على ما سلف من ذنبه، ويعزم عزمة الصدق على الهجرة إلى الله، فيهجر كل حرام يفسد دينه؛ بفصل المنكرات أو بترك الواجبات، ويهجر كل ما يُفسد عقله من الشبهات والخرافات والمحذورات، ويهجر ما يُفسد عرضه مما يُوقع في الشهوات ارتكاب المحظورات، ويهجر ما يُفسد ماله من كسب الحرام ومنع الزكوات، ويهجر ما يُفسد نفسه ويهدم بدنه بالبعد عن الموبقات.

إن المهاجرة من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الفسوق إلى الإيمان.. حالةٌ من المفاعلة والمجاهدة؛ تحتاج إلى استنفار قُوى النفس جميعًا، ويوم يجتمع في كيان المؤمن نية صادقة، ومجاهدة خالصة، وإقبالٌ على الله؛ يكون قد هاجر فأحسن الهجرة، وآمن فاستكمل الإيمان، وعندها نكون قد فقهنا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا”.