الهجرة إلى المدينة

وأمر الهجرة إلى المدينة في عهد النبوة من المعجزات، فقد كانت المدينة قليلة الموارد الزراعية، قليلة الأمطار، قليلة التجارة، عديمة الصنائع، ضيقةً بأهلها، ففي تقديرات البشر أن الهجرة إليها تسبب مشاكل اقتصادية واجتماعية، ولكن بالهجرة إلى المدينة تحقّق كل خير للإسلام والمسلمين، وبطل كل مكر وكيد للإسلام والمسلمين، وشاهد الكبير والصغير، والذكر والأنثى سيد الخلق ، وتعلموا منه دينهم واقتدوا به، وتخلّقوا بأخلاقه، وحضروا مجالسه، وحفظوا حديثه، ووعوا سنته، ونقلوا حركاته، وسكناته في أدق تفاصيلها، وصحبوه في غزواته، واطّلعوا على حياته داخل بيته في عبادته وفي معاملاته لأهله، يدفعهم لكل ذلك كمال محبتهم للنبي ، فما أعظم أثر الهجرة النبوية على الإسلام والمسلمين، وكم لله فيها من نعم على عباده المؤمنين، حقاً لقد كانت الشدائد مستحكمة في أول الهجرة، وكان الناس في عسرٍ وضيق من الحال، كما قال أبو هريرة : (إني لأخِرُّ ما بين منبر رسول الله  وبيت عائشة، فيأتيني الأعرابي ويضع رجله على عنقي، يظن أني مجنون وما بي إلا الجوع)[19].

وروى البخاري عنه قال: أهدي لرسول الله  قدح لبن، فرأى الجوع في وجهي، فقال: ((ادع لي أهل الصفة))، وكنت أود أن أشربه مع رسول الله  لما بي من الجوع، فدعوتهم ثم سقيتهم واحداً واحداً حتى رووا، ولم يبق إلا أنا ورسول الله ، ثم قال: ((اشرب يا أبا هريرة))، فشربت حتى رويت، ثم قال: ((اشرب))، فشربت، ثم قال: ((اشرب)) فقلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، ثم شرب عليه الصلاة والسلام الفضلة[20]. وكان يربط النبي عليه الصلاة والسلام الحجر على بطنه من الجوع[21]. ولكن هذه الشدة تجاوزوها بصبرهم وإيمانهم في أول الهجرة، وكان رسول الله  يحنو عليهم، ويشملهم بعطفه ورحمته، أكثر من الأب الرحيم والأم الرؤوم، ففتح الله البلدان، وساق إلى المدينة النبوية الخيرات من كل مكان، ولكن الرسول  يقول لأصحابه: ((أنتم اليوم خير من يوم يُغدى على أحدكم بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويغدو في حُلَّة ويروح في حلة))[22]، لأن الفتنة بالسراء أعظم من الفتنة بالضراء.

أيها المسلم، لئن فاتك ثواب الهجرة إلى الله ورسوله في زمن النبوة، فقد شرع الله لك هجرة من نوع آخر، فيها الثواب العظيم، فاهجر المعصية إلى الطاعة، واهجر التفريط، وهاجر إلى الاستقامة، واهجر التمرد والآثام إلى الانقياد والاستسلام، واهجر الكسل والأمل الباطل إلى الجد والاجتهاد فيما يرضي مولاك، وهاجر بقلبك من الركون إلى الدنيا والاطمئنان إليها إلى الدار الآخرة والرغبة فيها، قال : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما حرم الله))[23]، وفي صحيح مسلم أن النبي  قال: ((عبادة في الهرج كهجرة إلي))[24] يعني وقت الفتن.

قال الله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:218].

إن حادث هجرة المصطفى  تمد المسلمين بالعبر والعظات والدروس والتوجيهات، وقد شاء الله تعالى أن تكون بأسباب مألوفة للبشر، يتزود فيها للسفر، ويركب الناقة، ويستأجر الدليل، ولو شاء الله لحمله على البراق، ولكن لتقتدي به أمته، فينصر المسلم دينه بما يسّره الله من الأسباب.

وأعظم واجب عليك ـ أيها المسلم ـ أن تنصر دين الله في نفسك، بأن تستقيم على طاعة الله، وأن تنصره في بيتك، بالعمل به والدعوة إليه في مجتمعك والصبر عليه.

وإن حال المسلمين في العالم يوجب الاستفادة من معاني الهجرة النبوية، فلن يصلح حال المسلمين في هذا العصر إلا بالأمور التي صلح بها السلف الصالح، من الإيمان الحق، والتوحيد الخالص، والخلق الكريم، والصدق مع الله، والتوكل عليه، والصبر على المكاره، وإحسان العبادة، على وفق ما جاء به النبي  في السنة المطهرة، قال : ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))[1].

تسجيل الدخول