فوائد الحج والعمرة

فوائد الحج والعمرة

فرض الله سبحانه وتعالى العبادات على عباده المؤمنين؛ امتحاناً لطاعتهم، وإظهاراً لعبوديتهم وشكرهم، وتحقيقاً لمصالحهم ومنافعهم العاجلة والآجلة فى الدنيا والآخرة، وقد أشار الله ـ عز وجل ـ عند ذكر الحج فى القرآن الكريم إلى وجود منافع للناس وفوائد لهم فيهقال الله تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (الحج:28).

قال ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ فى تفسير هذه الآية: إنها منافع الدنيا والآخرة. أما منافع الآخرة: فرضوان الله تعالى ، وأما منافع الدنيا: فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات .

وعندما نفصل قول ابن عباس (رضى الله عنهما) نجد أن الله ـ عز وجل ـ فرض الحج والعمرة على المسلمين لحِكَم وفوائد عظيمة تشمل فى نفعها الفرد والمجتمع، وتجمع فى خيرها سعادة الدنيا والآخرة:

أ - الفوائد التى تعود على الفرد المسلم:

1-تجديد ذكر الله تعالى ، وتقوية صلة المحبة التى تربط المسلم بربه وخالقه، وما التلبية والدعاء إلا ترجمة لما فى النفس من حنين ومناجاة للخالق العظيم، وما التذلل والخشوع، وترك محظورات الإحرام، إلا تعبير صادق عن لذة القرب من الله، والعبودية الحقة له، وإطراح ما عداه من مشاغل الحياة والأحياء.

2-وفى أداء مناسك الحج يذكر المسلم اليوم الآخر؛ حيث يحشر الله الناس جميعاً للحساب والجزاء؛ لأن الحج مشهد مصغر عن ذلك اليوم العظيم، وارتداء الثياب البيضاء كالأكفان، وكثير من وجوه التشابه بين الموقفين تحدث هنا فى الحياة الدنيا، فتهزه من أعماقه، وتذكره بالموت وما بعده وتوقظه من سباته وغفلته.

 

3-وفى هذه العبادة يتعرض المسلم لنيل رحمة الله، والحصول على رضاه ومغفرته، ويعود إلى موطنه الذى خرج منه نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه، وهذه البراءة من الآثام تجدد فى نفسه العزيمة والأمل فى تحقيق الاستقامة، وتبعد عنه اليأس والقنوط والاستمرار فى الضياع والبعد عن الله عز وجل.

ففى صحيح البخارى عن أبى هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

4-ويتعلم المسلم فى الحج دروس التضحية والبذل شكراً لله تعالى، فتراه يجهد نفسه، وينفق ماله فى طاعة ربه، ويترك أهله ووطنه ويتحمل مشاق السفر والغربة، للتقرب منه، والحصول على زيادة نعمه، ومن المعلوم أن كل أمة يبخل أفرادها بالبذل والعطاء ويحجمون عن التضحية بالمال والنفس فى سبيل الله، لا يمكن أن تنتصر فى معارك الجهاد، ولا يكون لها مستقبل زاهر أو حاضر رغيد ، بل تصبح عُرضة لنزول سخط الله عز وجل وعذابه عليها، وابتلائها بالخضوع والذُل لأعدائها.

5-ويتلقى المسلم فى موسم الحج التدريب العلمى والعملى؛ ليكون مجاهداً قوياً فى سبيل الله تعالى، فيتعلم النظام والصبر، والتواضع والتسامح، وحسن المعاشرة، وطيب الملاطفة، ومراقبة الله عز وجل، وما أروعها من دورة تربوية وثقافية تستمر مدة إتمام المناسك ويتولى القيادة والتنظيم فيها قوة ربانية، تدخل إلى القلوب والضمائر والنفوس، فلا يبقى فيها إلا الإخلاص والخير والصفاء، ولا يصدر عنها إلا السمع والطاعة والسلام.

ب ـ الفوائد التى تعود على المجتمع الإسلامى :

1-وصل حاضر الأمة بماضيها، وربط المسلمين بتاريخ هذا البيت العتيق، الذى يجدون عنده أصلهم العريق الضارب فى أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل (عليه الصلاة والسلام)، فكل موقف من مواقف الحج مرتبط بحدث يثير فى مشاعر الحجاج الكثير من الذكريات، وكل ذرة من تراب تلك الأرض الطيبة، توقظ فى النفس الأحاسيس، والصور، والمشاهد التاريخية، فترف فى أجواء الأماكن المقدسة كالأطياف، فهذا طيف إبراهيم ـ أبو الأنبياء ـ يودع عند البيت ابنه إسماعيل مع أمه هاجر، ويتوجه إلى الله بالدعاء أن يكلأهم بحفظه ورعايته، وطيف هاجر، وهى تطلب الماء لطفلها الرضيع إسماعيل، وتسعى بين الصفا والمروة تنظر بلهفة وضراعة إلى الأفق البعيد، وفى منى عند الجمرات يطل طيف إبراهيم وهو يعارض الشيطان، ويخالف أوامره، ويرجمه بالحصاء ويقبل على امتثال أمر ربه، وينفذ ما أوحاه إليه فى رؤياه من ذبح ابنه، وعند الكعبة المشرفة يطل طيف إبراهيم (عليه السلام) من جديد وهو يرفع بناء البيت مع ابنه إسماعيل، ثم يقف لينادى الناس فى شتى أرجاء الأرض، ويدعوهم للحج.

وتُتَاِبْع الأطياف والذكريات؛ لتصل إلى تاريخ الإسلام القريب؛ حيث

عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم  طفولته، وهو يدرج فوق هذا التراب الطاهر يتيماً تحفظه عناية الله تعالى وترعاه ثم خطواته المباركة على طريق الرسالة الإلهية ، يدعو قومه ويبلغهم أوامر ربهم ونواهيه، ويصبر على صلفهم وعنادهم، ويجاهد وينتصر، ويحج ويعتمر، ولا يغيب عن بصيرة الحاج ذلك الموقف الرائع، الذى وقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فى عرفات فى حجة الوداع، وهو راكب على ناقته، يخطب الناس ويعظهم، ويقرر لهم مبادئ الحياة العادلة، والأخوة الصادقة، ويحذرهم من العودة بأقوالهم وأفعالهم إلى مساوئ الجاهلية وظلامها ..

إن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم  وحياته بين أصحابه الكرام، تكاد أن تراها العين. وتسمعها الأذن بسبب استغراق الحجاج فى مراجعة تلك الذكريات الجميلة.

2-تحقيق المساواة بين الناس جميعاً: رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم، وتباين ألسنتهم، وتباعد بلادهم، إن هذه الفوارق والاختلافات تذوب هناك وتسقط، فلا يبقى لها أثر، فالجميع ربهم وخالقهم واحد، وكلهم من آدم، وآدم من تراب، وها هم لبسوا جميعاً الثياب البسيطة البيضاء، وخضعوا لحكم الله فى نظام فريد.

3-توحيد كلمة المسلمين: وجمع شملهم، فيلتقون فى مكة المكرمة، تحت راية واحدة هى راية التوحيد، ويتجهون إلى قبلة واحدة فى صلواتهم، ويتم التعارف والتناصح والتشاور، وتنسيق الخطط، وتوحيد القوى، وحل المشكلات، ويتجدد العزم فى كل عام على العمل لرفعة مجد الإسلام وتحقيق عِزته.

4-تنشيط المبادلات الاقتصادية: وتنسيق تبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب، فيظهر الحج كمعرض دولي، تجلب إليه الصناعات والمنتجات من بقاع الأرض القريبة والبعيدة، ويضاف إلى ذلك ما يناله فقراء تلك البلاد ـ المحيطة بالحرم والمجاورة له ـ فى ذلك الموسم المبارك من الرزق الذى يُغنى فقراءهم سنة كاملة؛ تحقيقاً لدعوة إبراهيم (عليه الصلاة والسلام).

قال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37) .

تسجيل الدخول