فضائل الحج

فضائل الحج

الحج من أعظم القربات والطاعات لرب العالمين؛ إذ هو شعار أنبياء الله، وسائر عباده الصالحين ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

عن عبد الله بن عباس قال: "كانت الأنبياء تدخل الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت، ويقضون المناسك حفاة مشاة" وورد أن الأنبياء كلهم حجوا البيت إلا هوداً وصالحاً؛ لتشاغلهما بأمر قومهما حتى قُبضا

ولا عجب فمكة خير أرض الله تعالى، وأحبها إلى رسوله  صلى الله عليه وسلم وقد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام إلى يوم القيامة "ولا تزال هذه الأمة بخير ما عظَّموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا" ومن أدرك رمضان بمكة، فصام، وقام منه ما تيسر له، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها ، وكتب الله له بكل يوم عتق رقبة، وكل ليلة عتق

رقبة ، وكل يوم حملان فرس فى سبيل الله تعالى، وفى كل يوم حسنة ، وفى كل ليلة حسنة

 

وروى: "أن الله يبعث من هذا الحرم كله سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم فى سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر. قال أبو بكررضي الله عنه : ومن هم يا رسول الله ؟ قال: "هم الغرباء"

ومن رأى الكعبة فى المنام فهى رؤيا حق والدجال لا يدخلها ومن حج البيت، أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيماً وبراً

والحكمة فى الحج: هى إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضّله الله ـ تعالى ـ وشرفه، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً

وبالحج يكمل الدين ويتم، ففى حجة الوداع أنزل الله  تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) (المائدة: 3).

وحينما نزلت هذه الآية قال أهل الكتاب: لو أنزلت علينا هذه الآية لجعلنا يومها يوم عيد، فقال عمر رضي الله عنه: أشهد لقد أنزلت فى يوم عيدين اثنين: فى يوم عرفة ، ويوم جمعة بعد العصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء وقوفه بعرفة، ثم استشعر صلى الله عليه وسلم من هذه الآية قرب أجله، إذ الكمال علامة على الزوال، ثم ودع أصحابه فى خطبته بمنى

وقال صلى الله عليه وسلم : "اللهم اغفر للحاج ، ولمن استغفر له الحاج"

ثم أكرم الله المسلمين بالحج، فجعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا، والطواف حوله حجاباً بينهم، وبين العذاب، كما جعل الله ـ عز وجل ـ الوقوف بعرفة تكفيراً للذنوب ، لكثرة نزول الرحمة فى هذا اليوم العظيم

أشهدكم أنى قد غفرت ذنوبهم، وعفوت عنهم أجمعين؛ تكرما.

وفى الحج رياضة للوجدان على طاعة الرحمن إلى خير البلدان، يؤديه البسيط والرفيع والأمير، بإيمان وخشوع ، وهيبة وخضوع ومن خرج من بيته حاجا يريد بحجه وجه الله ـ تبارك وتعالى ـ غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وشفع فيمن دعا له، ومن قضى نسكه وسلم الناس من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"

والرفث: كل لغو، وفجور، ومجون بغير حق، والفسق: الخروج

عن طاعة الله تعالى .

وإذا خرج الحاج من بيته كان فى حرز الله، وإن مات قبل أن يقضى نسكه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن إنفاق الدرهم الواحد فى ذلك الوجه يعدل أربعين ألفاً فيما سواه، وإن الحاج يكتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازى إلى يوم القيامة.

وينبغى على الحاج أن يتابع بين الحج والعمرة؛ لأنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفى الكير خبث الحديد، والذهب والفضة: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "وليس للحجة المبرورة ، التى لا يخالطها مأثم  ثواب إلا الجنة"وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"

فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة : "الميت والحاج عنه، والمنفِّذ لها"( )، وعن ابن عباس (رضى الله عنهما) قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بمنى إذ أقبلت طائفة من اليمن فقالوا: فداك الأمهات والآباء: أخبرنا بفضائل الحج قال: "بلى. أى رجل خرج من منزله حاجاً أو معتمراً فكلما رفع قدما، ووضع قدماً، تناثرت الذنوب من بدنه، كما يتناثر الورق من الشجر، فإذا ورد المدينة، وصافحنى بالسلام، صافحته الملائكة بالسلام، فإذا ورد ذا الحُليفة واغتسل، طهره الله من الذنوب، وإذا لبس ثوبين جديدين جدد الله له من الحسنات، وإذا قال: لبيك اللهم لبيك، أجابه الرب ـ عز وجل ـ لبيك وسعديك، أسمع كلامك، وأنظر إليك ، فإذا حل مكة، وطاف، وسعى بين الصفا والمروة، وصل الله له الخيرات، فإذا وقف بعرفات، وضجت الأصوات بالحاجات باهى الله بهم ملائكة سبع سموات، ويقول: "ملائكتى ، وسكان سماواتى، أما ترون إلى عبادى أتونى من كل فج عميق ، شعثا غبراً قد أنفقوا الأموال، وأتعبوا الأبدان، فوعزتى وجلالى وكرمى لأهبن مسيئهم بمحسنهم، ولأخرجنهم من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم" فإذا رموا الجمار، وحلقوا الرءوس، وزاروا البيت، نادى منادٍ من بُطْنان العرش: "ارجعوا مغفوراً لكم ، واستأنفوا العمل".

لذا فالحج أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، والجهاد فى سبيله، ولله در أقوام دعاهم مولاهم إلى جنابه، فساروا إلى بابه شعثا غبراً، وعرفهم بعرفات أنه قد تجاوز عن الذنوب والزلات فسجدوا لله حمداً وشكراً.

قيل للحسن: ما الحج المبرور؟ قال: "أن ترجع زاهداً فى الدنيا راغباً  فى الآخرة".

وعن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟"( ).

فيقولون يا ربنا يريدون العفو والمغفرة فيقول الله ـ تعالى ـ: "يا ملائكتى أشهدكم أنى قد غفرت لهم، وعفوت عنهم".

"إن الله يباهى بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادى هؤلاء جاءونى شعثاً غبراً" وقال : "إن الله تعالى يباهى ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة يقول: انظروا إلى عبادى أتونى شعثاً غبراً".

والحج المبرور يغفر الذنوب صغائرها وكبائرها حتى التبعات، وفى الحديث  وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله ـ تعالى ـ يهبط إلى سماء الدنيا فيباهى بكم الملائكة فيقول: "عبادى جاءونى شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتى، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا مغفوراً لكم".

والحجاج والعمار وفد الله إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجاب لهم، وإن شَفَعُوا شُفَّعُوا ( ).

عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين"( ).

حدثنا عبد الله بن كنانة السلمى: أن أباه أخبره عن أبيه، أن النبى صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: أنى قد غفرت لهم، ما خلا الظالم، فإنى آخذ للمظلوم منه، قال: "أى رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم فلم يجب عشيته فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: تبسم ، فقال له أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: بأبى أنت وأمى إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذى أضحكك أضحك الله سنك؟ قال: "إن عدو الله إبليس لما علم أن الله

ـــ عز وجل ـــ قد استجاب دعائى ، وغفر لأمتى، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكنى ما رأيت من جزعه"

وإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يختم على عمل الحاج بطابع من نور، فإياك يا أخى المسلم أن تفك ذلك الختم بمعصية الله ـ عز وجل ـ.

وفى الحديث النبوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "إذا مات المحرم فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"

أخى الحاج:

أبشر فحجك مقبول ومبرور

 

                        وكل سعيك محمود ومشكور

 

وما تصدقت فى أرض الحجاز به

                        فأجره لك عند الله مدخور

 

وكل سعى وما قدمت من عمل

                        فإنه لك بعد الربح موفور

 

فإن حججت ولم تأت بمعصيةٍ

                        نلت المراد وأنت اليوم مسرور

 

والحج هو موكب الإسلام ومظهره، ولباب حبه وجوهره، وموسمه الحرام أشهره، مهرجانه العظيم، وعرسه الفخيم، ونديه الكريم والنظم الذى قرن فيه الدنيا إلى دينه القويم فجعله لها صالحاً وعمارة ، وملأها بيمينه نماء ويساره، وأفاض بركاته على التجارة،وسخرها لخدمته وإظهار دعوته، وجمع كلمته، وتوثيق عروته، فإذا أظلت أيام الحج المباركات نظرت إلى البلاد فرأيت أسواقاً ماجت، ومتاجر راجت، ومطايا من مرابضها اهتاجت، ورأيت الحجاز مهتز المناكب يموج بالمواكب، مفتر المباسم فى وجوه المواسم، أخلفه الغيث فمطر الذهب ويبس، فطعم الرطب أزواد تعد، ورحال تشد، وشروع تمد، وحاجات تنشأ وتستجد وأمم أَتَوْمن نواحى البلاد يصفُّون التحف المجلوبة، ويأخذون الأجر والمثوبة.

وقال حجة الإسلام الغزالى : "أنعم الله ـ عز وجل ـ على هذه الأمة بالحج وشرَّفَ بيته العتيق بالإضافة إلى نفسه: ـ قال تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (الحج: 26).

 

ونصبه مقصد العبادة، وجعل ما حواليه حرما لبيته، تفخيماً لأمره، وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده، ووضعه على مثال حضرة الملوك، ويقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق، شعثاً غبراً، متواضعين لرب البيت، مستكنين له خضوعاً، لجلاله واستكانة لعزته، مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد؛ ليكون ذلك أبلغ فى رقهم وعبوديتهم، وأتم فى إذعانهم وانقيادهم؛ ولذلك فرض عليهم فيها أعمالاً تأنس بها النفوس، ولا تهتدى إلى معانيها العقول، كرمى الجمار بالأحجار، والسعى بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية". وقد روى الترمذى، وصححه أبوداود واللفظ له: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمى الجمار، لإقامة ذكر الله تعالى" والبيهقى وغيره عنه: أن إبراهيم عليه السلام لما أتى بالمناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ فى الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ فى الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حتى ساخ فى الأرض، قال ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ: "الشيطان ترجمون، وسنة نبيكم تتبعون". وأخرج سعيد بن منصور أنه رضي الله عنه سئل عن رمى الجمار فقال: "الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون، ووجه الشيطان ترمون"، وعلى هذا فيكون رمى الجمار القصد منه الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية، وانتهاضاً لمجرد الامتثال . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "خذوا عنى مناسككم".

وتذكر ـ أيها المسلم ـ فى أثناء وجودك بالمسجد: "أن الله ـ تعالى ـ ينزل على أهل هذا المسجد ـ المسجد الحرام ـ فى كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة: ستين للطائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين"وفى الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "النظر إلى الكعبة عبادة" رواه أبو الشيخ

عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ.

وروى الطبرانى فى "الأوسط" عن جابررضي الله عنه  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبى الملبى" وروى البيهقى فى "شعب الإيمان" عن عائشة رضي الله عنها  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم   : "إن الملائكة تصافح ركاب الحجاج، وتعتنق المشاة وأن الناس ليحجون ويعتمرون، ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج"

تسجيل الدخول