بعض مزايا الحج وحكمه

حكمة مشروعية الحج

للحج مزايا تفوق الوصف، وتجل عن العد، ومن هذه المزايا:

ـ تعلم الصبر والامتثال:

إن الإنسان الذى يصبر على متاعب السفر، وعلى الانتقال المفاجئ من بيت الإنسان والراحة، التى يركن إليها فيه والخيرات؛ التى تحيط به إلى هذا المكان القفر الموحش المتميز بصخوره الصلدة، وحرارته المحرقة أغلب أوقات السنة كل هذا وغيره حينما يعترض الحاج ليس له إلا الصبر، والصبر العميق، الصبر على السفر، وتزاحم الناس، وتسابقهم إلى فعل الأحسن لهم، والصبر على المخاوف، الصبر على الإقامة فى مكة، الصبر على تنافس الناس وأذاهم ، وتغاير معاملاتهم وتصادم رغباتهم وما على الإنسان وقد وجد كل هذا إلا أن يصبر ويمتثل لله العلى الحكيم ويؤدى مناسكه فى إذعان تام وخضوع لله رب العالمين ، من فعل هذا فإنه يدرك الحكمة ويزداد فهما للسر فى قوله ـ تعالى ـ:

(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (البقرة:197)

ورجع طاهراً مُطهراً من حجه، كيوم ولدته أمه.

ـ التعارف والتعاون:

يجتمع المسلمون من كل فج عميق، فى أيام معلومة، وساعات محدودة على اختلاف طبقاتهم وجنسياتهم فيتعارفون، ويتعاونون على ما يرفع شأن أمُتهم ودينهم ويصلح حالهم.

ـ تهذيب النفوس:

أعمال الحج تشتمل على فوائد خُلقية كثيرة، مثل: الصبر على الشدائد، والشفقة بالضعفاء والمساكين، والتواضع ومعاونة الناس والإخلاص فى العمل، وإن العبد ينال الرضا والمغفرة من الله بسبب امتثال أوامره، وأداء العبادة له، وهو كذلك سبيل لتكفير الذنوب والفوز بالجنة، ومضاعفة أعمال البر بمكة إلى مائة ألف ضعف، ومضاعفة الصلاة فى المسجد الحرام، قال الحسن البصرى: "صوم يوم بمائة ألف يوم، وصدقة درهم بمائة ألف درهم" ويقال: "إن طواف سبعة أسابيع تعادل عمرة، وأن ثلاث عمرات تعدل حجة، وأن العمرة هى: الحجة الصغرى، وفى الخبر: "عمرة فى رمضان تعدل حجة "، فمن وُفق للعمل بما ذكرنا فهو علامة على قبول حجة، ودليل نصر الله فى قصده.

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها

 

                        على الناس طرا قبل أن تتفلَّت

 

فلا الجود يفنيها إذا هى أقبلت

                        ولا الشح يبقيها إذا هى ولَّت

 

لذا نجد أن الإسلام دين اجتماعى، يعنى بتربية النفس، وتقوية الجسم، وتعزيز الروح الجماعية فى تابعيه، ولقد صرح القرآن بالغاية الكبرى، والفائدة العملية العظمى من الصلاة، وهى تطهير المجتمع من الفساد، وإقامته على أسس من الفضائل تبث السعادة فى أرجائه، فقال تعالى :

(إِنَّ الصلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45).

ـ المساواة التامة:

إن الحاج حينما يتجرد من ملابسه العادية ، وزينته المتفاوتة، ويلجأ إلى لباس موحد لا يظهر فيه التفاوت المعروف فى الملابس العادية، وقد كشف رأسه وتجد الناس جميعاً سواء: المَلِك كالمملوك، والأمير والفقير،

الكل يتجه إلى المولى فى ضراعة، يسأل الله التوبة والمغفرة، ويصبح الجميع فى سباق لبلوغ غاية واحدة هى: الرضا من الله والقبول، ويستشعر الغنى بهذه المساواة فى هذه العبودية ، لا شك أن نفسه تتطامن، وتنكسر حدتها، ويحس بمعنى الأخوة الشاملة التى يحرص الإسلام على غرسها فى نفوس أتباعه، كذلك يحس الفقير بذل الغني أمام ربه ـ يتضرع إليه ويسأله قضاء حاجاته مثله بالضبط فى هذه الحالة يحس بالمساواة فترتفع معنوياته، وتعلو فى نفسه منزلته، ويسترد فيها قيمته فلا يذل ولا يخضع إلا لله تعالى  وهكذا لا تستطيع أن تميز الشخص الذى أمامك إلا أنه مسلم، وفقير محتاج إلى الله مثلك، ويمكن أن نخرج من كل هذا بأن الحج تدريب عملى شاق على التآخى فى المظهر الموحد، والشعور الموحد لا يتوافران بهذه القوة فى أى فرض آخر من العبادات الأخرى.

ـ التحام بين أفراد الأمة:

إن الحاج حينما يقع بصره على الكعبة المشرفة يقول: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من شرفه ممن حجه، أو اعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، اللهم أنت السلام فحينا ربنا بالسلام".

نرى أن هذا الدعاء فيه إلزام لكل حاج أن يدعو لزوار بيته بزيادة التعظيم والتشريف والتكريم إلى أن تقوم الساعة، مثل المصلى ، يقول فى صلاته: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6) يدعو للمسلمين بالهداية؛ ولذا من ترك الصلاة فإنه يغبن المصلى حقه فى ترك الدعاء له، وكان السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ لشدة إيمانهم، وكثرة شوقهم إلى زيارة بيت ربهم، يحجون أكثر من مرة بل وصل بالبعض أن تعود الحج كل عام.

 فقد روى عن ذى النون المصرى أنه قال: "كانت امرأة من كبريات الصالحات العابدات تحج كل سنة على قدميها من المدينة إلى مكة، إلى أن بلغت من العمر السبعين فكف بصرها، فلما حضر وقت الحج دخل عليها النساء يزرنها ويواسينها فى فقد بصرها، فبكت، ثم رفعت رأسها إلى السماء، وقالت: إلهى وعزتك لإن فقدت نور بصرى بين يديك، لما فقدت أنوار أشواقى إليك ، ثم أحرمت، وقالت: "لبيك اللهم لبيك" وخرجت مع صويحباتها، فكانت تمشى بين أيديهن ، فتسبقهن فى المسير" قال ذو النون: فتعجبت من حالها فإذا بها تقول: "أتعجب من ضعيفة اشتاقت إلى بيت مولاها فحملها إليه بلطفه وقواها".

وقال السرى السقطى: "رأيت فى طريقى إلى مكة شاباً يمشى ويحرك شفتيه فسلمت عليه فرد الجواب فقلت له: إلى أين؟ قال: إلى بيت الله الحرام، قلت له : فبماذا تحرك شفتيك؟ قال: بالقرآن: قلت : خطواتك قصيرة، وطريقك بعيدة، فقال: إنما علىَّ نقل الخُطى، وعلى الله الإبلاغ ، فقلت: أين الزاد والراحلة؟ فقال: زادى يقينى، وراحلتى رجلاي، فقلت: أسألك عن الخبز والماء، فقال: يا عماه أرأيت لو دعاك مخلوق إلى منزله أكان يجمل بك أن تحمل معك زادك؟ فقلت: لا قال: إن سيدى دعا عباده إلى بيته، وأذن لهم فى زيارته، فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم، وإنى استقبحت ذلك، فحفظت الأدب معه، أفتراه يضَّيعنى؟ فقلت: كلا وحاشا، ثم غاب عن عينى ، فلم أره إلا بمكة ، فلما رآنى قال: يا شيخ أنت بعد على ذلك الضعف فى اليقين". ثم يقول الشبلي ـ رحمة الله عليه ـ: "الحج حرفان: حاء وجيم، فالحاء من الحلم، والجيم من الجرم، والإشارة فيه كأنه يقول: يا رب أتيتك بجرمى وجفائى إلى حلمك ورحمتك فإن لم تغفر جرمى فمن يغفر لى".

فيا وفد الرحمن: ما كل مسافر حاج، ولا كل جبل

عرفات، ولا كل بيت مكة، ولا كل زاد يوصل، فأخلصوا النية، واصدقوا العزم، يستجب دعاؤكم، ويرعاكم الرحمن، وكل خطوة يخطوها الحاج من بيته قاصداً البيت الحرام يكتب الله له بكل خطوة حسنة، ويحط بها عنه سيئة ، ويرفع له بها درجة، وإن الله لا يرد للحاج دعوته، ويباهى بطائفى بيته فعن عبد الله ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة"سأل ابن هشام عطاء بن أبى رباح، عن الركن اليمانى، وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء: حدثنى أبو هريرة رضي الله عنه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم  قال: "وكل به سبعون ملكاً فمن قال: اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى الدنيا والآخر. ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قالوا: آمين"وعن الركن الأسود قال النبى صلى الله عليه وسلم  : "من فاوضه فإنما يفاوض يد الرحمن"وقال النبى صلى الله عليه وسلم "من طاف بالبيت سبعاً، ولا يتكلم إلا بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، محيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات، ومن طاف ولم يتكلم وهو فى تلك الحال خاض فى الرحمة برجليه كخائض فى الماء برجليه"وإن الكعبة تشفع للحجاج، فتقول: "يا رب عبادك المذنبون الذين وفدو إلىّ من كل فج عميق، شعثاً غبراً، تركوا الأهل والأولاد والأحباب  وخرجوا شوقاً إلىَّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم، كما أمرتهم، فأسألك أنُ تشفعنى فيهم، وتؤمنهم من الفزع الأكبروتجمعهم حولى".

يا رب أسألك الشفاعة فى المذنبين الذين ارتكبوا الذنوب العظام والأوزار، حتى وجبت لهم النار، فيقول الله ـ تعالى ـ: قد شفعتك فيهم، وأعطيتك سؤلك، فينادى ملك من جو السماء: ألا  من زار كعبة الله، فليعتزل عن الناس ، فيعتزلون فيجعلهم الله ـ تعالى ـ حول البيت الحرام ، بيض الوجوه، آمنين من النار، يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء : ألا يا كعبة الله سيرى فتقول الكعبة : لبيك اللهم لبيك، والخير كله بيديك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك وروى : أن الكعبة تحشر كالعروس المزففة ، ومن حجها تعلق بأستارها حتى تدخلهم الجنة"

ولله در الفائزين بالحج فازوا بحج بيت الله الحرام، وقد كَفَّرَ عنهم مولاهم الذنوب والآثام، يا فوزهم قد سرت بهم المطايا، وحط عنهم ثقل الخطايا والعصيان، وفازوا بنيل المطلوب وحصول القبول والرضوان:

فازوا بنيل الأمانى، وأدركوا مطلوبهم

 

                       

 

                        من الإله وطافوا بالبيت والأركان

 

وبالمقام تملوا، وبالحطيم تمتعوا

 

                       

 

                        وشاهدوا النور يجلى فيه بكل مكان

 

طوبى لهم إذا نالهم مرادهم لما سعوا

 

                       

 

                        بين الصفا والمروة فى طاعة الرحمن

 

يا بالغين مناهم، وفائزين بحجهم

 

                       

 

                        بشراكموا قد أراكموا كل الرضا بأمان

 

فزتم بما أملتم والله عنكم قد عفا

 

                       

 

                        عن كل ما قد فعلتم فى سالف الأزمان

 

ومن توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الركن اليمانى ليستلمه، خاض فى الرحمة ، فإذا استلمه، وقال : باسم الله، والله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، غمرته الرحمة ، فإذا طاف بالبيت كتب الله له بكل قدم سبعين ألف حسنة، ومحا عنه سبعين ألف سيئة فاغتنموا هذه الفوائد والربح، فمن اجتهد وجد، ومن أوقد مصباح الذكر لاحت له الأعلام، ومن تغرب فى بادية الشوق ظهرت له الخيام، ومن حج حجة ، فقد أدى فرضه، ومن حج ثانية فقد داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار ، فاللهم حرم شعرنا وبشرتنا وأجسامنا على النار، يا عزيز يا غفار.

حج محمد بن المنكدر ثلاثاً وثلاثين حجة، فلما كان فى آخر حجة حجها، قال وهو فى عرفات: "اللهم إنك تعلم أنى وقفت فى موقفى هذا ثلاثاً وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضى، والثانية عن أبى ، والثالثة عن أمى ، فأشهدك يا رب أنى وهبت الثلاثين لمن وقف بموقفى هذا، ولم تتقبل منه، فلما دفع من عرفات نودى يا ابن المنكدر: أتتكرم على من خلق الكرم والجود؟ وعزتى وجلالى لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق  عرفات بألفي عام".

وينبغى للحاج أن يغتنم بعد قضاء مناسكه مدة مقامه بمكة، ويستكثر من الاعتمار، ومن الطواف فى المسجد الحرام؛ لأنه أفضل مساجد الأرض والصلاة فيه أفضل منها فى غيره من الأرض جميعها ، فروى: "صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".

فيا أيها المسلم: اجعل دائماً التقوى زادك، والآخرة مرادك، والزهد والورع مطيتك، والانقطاع إلى الله ـ تعالى ـ سجيتك، وارم هذه الدنيا من قلبك، فهو سبب الرجوع إلى ربك، واسلك طريق الخائفين، واترك طريق المذنبين تكتب فى ديوان الموحدين، وتلقى الله تعالى وليس بينك وبينه حجاب، ولا يردك عنه بواب. يا رب يا قابل التائبين، ومجير البائسين، أنت ملجئى وملاذى:

هجرت الخلق طرا فى هواكا

 

                        وأيتمت العيال لكى أراكاً

 

ولو قطعتنى فى الحب إربا

                        لما حن الفؤاد إلى سواكاً

 

تجاوز عن ضيف قد أتاكا

                        وجاء راجياً يرجو نداكاً

 

وإن يك يا مهيمن قد عصاكا

                        فلم يسجد لمعبود سواكاً

 

إلهى عبدك العاصى أتاكا

                        مقراَّ بالذنوب وقد دعاكاً

 

وإن تغفر فأنت لذاك أهل

                        وإن تطرد فمن يرحم سواكاً

 

 

 

تسجيل الدخول