بيان إمبابة ( نار تحت الرماد )

بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ، والصلاة والسلام على خير عطرته وذوى نسبه الكرام وبعد .
 فإن الأحداث الأخيرة العصيبة التى سبقت إحراق الكنيسة فى حى إمبابة ، والتى أدت إلى فتنة ومظاهرات شديدة ؛ يجعلنا نفكر فى ترشيد أفكارنا وإعادة النظر فى الأمور من جديد .

alt أولا : لم يكن الإسلام على خلاف مع المسيحية قط خاصة مع هؤلاء القاطنين فى بلادنا العربية والإسلامية ، وهم ليسوا فى مواجهة معنا ونحن لسنا فى مواجهة معهم - كما قال الله تعالى ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) } الحشر، 8 : 9 { .
ثانيا : نحن نتعبد لله تعالى بالإحسان إلى أهل الذمة فهذا من صميم شريعتنا من أساس ديننا لا نفرق بين أحد من رسله.
والإيمان بنبيهم المسيح عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) واجب على كل مسلم وهو من صميم العقيدة كما دلت عليه النصوص الشرعية الشريفة على ذلك .
ثالثا : لسنا فى عداء تاريخى مع المسيحيين حيث تقر الشريعة لهم حقوقهم وواجباتهم فى المجتمع المسلم التى ذكرناها فى كتابنا " حقوق الإنسان بين الإسلام والغرب " وكل منصف يعرف مدى تسامح الشريعة الإسلامية تسامحا داخليا وتسامحا خارجيًّا فى كل شيء فى دقائق الأمور وأسرارها ، بل إن الشريعة الإسلامية تبيح للمسلم الزواج بغير المسلمة وهذا كثير فى بلادنا .
 كما تعطى الشريعة الإسلامية الحق للمسيحيين أن يأكلوا من طعامنا وأن نأكل من طعامهم ، كما قال تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) } المائدة:5{ .
رابعا: تقر الشريعة الإسلامية علينا الوفاء بعهودنا معهم ، فمنذ أكثر من " ألف وأربعمائة وثلاثين " سنة نهى الإسلام عن إكراه الناس وإجبارهم على اعتناق الدين الإسلامى بعد ما تبين لهم الحق ، فقد قال الله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) }  البقرة :256{  ، وقوله تعالى ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )  }يونس:99{.
وليس هذا فحسب ، وإنما قال الله سبحانه وتعالى ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ) }الشورى :48{.
ويقول سبحانه وتعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)}الغاشية،22:21{
كما أن الأساس القرآنى يقوم على الحكمة والموعظة الحسنة ، والرد على إساءة الخصم بالتى هى أحسن ، وليس مجرد الحسنى وإذا كان ذلك فرضا على صاحب المقام الرفيع ، فغيره من المسلمين أولى بأن يتحمل السيئة فى الجدال ، وأن يرد عليها بالتى هى أحسن ، وجاء التعبير عن ذلك الأمر فى قوله تعالى (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) } فصلت 34: 35{. فالله تعالى يقرر أن أحسن الناس قولا هو الذى يدعو إلى الله تعالى ، ويكون قدوة لغيره فى العمل الصالح ، ويعلن انقياده أو إسلامه لله تعالى ، وإذا جادله وأساء إليه فى دعوته وفى حواره أحد دفع تلك السيئة بالتى هى أحسن من الاحتمال والصبر ، والصفح والكلام الجميل، وحينئذ يضطر للاعتذار ، ويبدو بعدها كأنه ولى حميم ، وتلك الدرجة من السمو الخلقى فى الدعوة لا يصل إليها إلا من عانى (الصبر والتحمل فى سبيل الله ) وجديرا به أن يكون ذا حظ عظيم عند الله ،  وهذه بعض الأحاديث النبوية الشريفة التى تحدد كيف يتعامل المسلمون مع غيرهم من أهل الكتاب .
الحديث الأول : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  " لعلكم تقاتلون قوما فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم فيصالحونكم صلحا فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح لكم .
الحديث الثانى : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " وإن الله تعالى لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نساءهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذى عليهم ".
الحديث الثالث : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " من قتل معاهدا فى غير كنهه حرم الله تعالى عليه الجنة ".
الحديث الرابع : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة .


د / أحمد عبده عوض
كلية التربية _ جامعة طنطا

تسجيل الدخول