أنوار التفسير 693 | تفسير سورة المائدة الآية 31

39
. "فَطَوَّعَتْ" الفاء تدل على أن عملية القتل تمت بسرعة لاجتماع عناصر الشر
. الحسد يعطل قدرة الإنسان على أن يفكر في شيء يستطيع أن يخلص منه إلى قرار
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ"
. لم يعط لنفسه فكرة في أن يفكر أو يتأمل فاندفع اندفاعًا غير طيب وغير محمود
. "فَطَوَّعَتْ" الفاء تعقيبًا على ما قبلها أي أنه أسرع في اتخاذ الحكم والقرار
. كان المقتول هابيل يريد أن يجعل أخاه مجرمًا ولذا ساعده على القتل
. تلك ظاهرة عجيبة فريدة أن يستسلم المقتول بالكلية
. عدما قال أخوه "لأقتلنك" لم يراجعه في أسباب القتل ولا في داوفعه
. أوشك هابيل أن يمتنع عن الدفاع عن نفسه زاعمًا "إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"
. ليس من مخافة الله تعالى أن تسلم روحك لباطش ظالم
. استطاع الشيطان بكل حيلة أن يفعل ما فعل بآدم عليه السلام
. القصة منسجمة مع الحوار الذي دار بين آدم عليه السلام وبين الشيطان
. والذي انتهى بنزول آدم عليه السلام وزوجته من الجنة
. النفس السيئة الأمارة بالسوء هي التي تدفع الناس إلى الالتحام مع الشيطان
. ما بالك إذا كانت النفس الأمارة بالسوء مرتبطة بنزغات الشيطان؟
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ" تقدير الكلام أي نفسه الأمارة بالسوء
. يأتي الشيطان إلى أحدهم فيقول له ما قيمة الحياة وأنت في آخرها ميت لا محالة؟
. فيقلل الشيطان قيمة الحياة عند أحدهم فينتحر وهو يستسيغ الموت
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ"
. الفاء دائمًا تأتي للتعبير عن السرعة
. "فَقَتَلَهُ" أي شدخ رأسه
. لم يكن قابيل عارفًا كيف يقتل أخاه فأتى الشيطان بطائرين كبيرين
. فشدخ أحدهما الآخر رأسه فتعلم قابيل كيف يقتل أخاه؟
. لا يستبين لك الخطر إلا عندما ترى المشهد الفظيع أمامك
. لم تكن هذه الجريمة هي الواحدة أو النادرة في عمر الزمان
. جريمة القتل كثيرة مع قلة العقل ومع اندفاع الإنسان اندفاعًا شرسًا ومع الشيطنة
. هل تعتقد أنك عندما تقتل أخاك ستفتح الدنيا أمامك؟
. لم يتصور القاتل المشهد العظيم أنه عندما يرى أخاه جثة هامدة أمامه فقتله
. المقتول ليس بريئًا من دمه فهو الآخر شريك معك في القتل
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ" يعني هيأت له القتل أمرًا عاديًا جدًا
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)"
. الثلاث فاءات تدل على أن هذه الأحداث تمت في لحظة عبثية
. جريمة القتل تحدث دائمًا في لحظات ضعف أو خبل أو تهور
. لو عاد القاتل إلى نفسه فإنه يستحيل أن يقتل
. ليس هناك ذنب يفعله إنسان على وجه الأرض يستوجب القتل من بشر وإنما القصاص من ولي الأمر
. أن يقتل أحد الآخر تجنيًا فهذا اجتراء على السلطة
. الجماعات الإرهابية لم يقرأوا القرآن الكريم ولم يفهموه ولو فهموه ما قتلوا الجيش ولا الشرطة ولا السائحين
. لا يجوز للأفراد أن يقتل بعضهم بعضًا وإنما خكم القتل يتصل بالقضاء والعدل
. لم يكن في عهد قابيل وهابيل قضاء ولا مؤسسة ولا داخلية ولكن هناك عقل
. "فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ" الخاسر هو الذي خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الضلال البعيد
. وصف القرآن الكريم قابيل بأنه ظالم، خاسر، ونادم ولم يصفه بأنه كافر
. لك أن تغمض عينيك متخيلًا مشهد هابيل وهو مسجى على الأرض وقد ملأت الدماء الأرض
. فشاهد القاتل الدماء وهي تروي الأرض، وهي دماء أخيه
. لو فكر القاتل في مصير المقتول وما يترتب على القتل ما قتل
. الذي علم قابيل القتل لا بد أن يكون من جنسه وعلى شاكلته
. عندما أراد قابيل قتل أخاه لم يكن يعرف الطريقة فعلمه الشيطان القتل
. الذي علم قابيل الدفن هو الله تعالى لأن الله تعالى يريد لنا أن تُستر أجسادنا بعد موتنا
. أراد الله تعالى أن يعلم الناس أن الدفن ملازم لطبيعة البشر
. أراد الله تعالى للناس أن تتوارى أجسادهم كي يبقى كريمًا عند الله تعالى
. دائمًا الغربان توحي بالسواد والتشاؤم
. هذا قتل أخاه دون جريمه فعلها أخوه، ليته فعل شيئًا!
. "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ" هذه بلاغة حسية للقرآن الكريم
. من القراءات الشاذة "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ في الطين"
. "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ" ينقر في الأرض
. لو كان عمل قابيل صالحًا لأتى له الهدهد
. السوءة مربوطة بالسواد، وهو نفس السواد الذي وقع فيه آدم عليه السلام
. "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)" الأعراف
. "سَوْآتِهِمَا" في البلاغة يقال عبارة عن الجزء الذي أراد به الكل
. ذكر الله تعالى السوءة لأن انكشاف السوءة من الإنسان معناه ظهور مناطق لا ينبغي أن تظهر
. "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ (31)"

تسجيل الدخول