أنوار التفسير 685 | سورة المائدة تفسير الآية (19)

57
. سورة المائدة فيها نقلات عاطفية ونقلات وجدانية جميلة جدًا
. لن أتكلم عن الجانب الدلالي ولا المعجمي ولا الإحصائي ولكن دعني أركز على مخاطبة العاطفة
. ناشد القرآن الكريم أهل الكتاب ووجه نداءً إليهم فيما يشبه التحذير
. "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)"
. هنا إقرار بحقيقة وتوجيه لوم لهم وبيان لقيمة محمد صلى الله عليه وسلم
. "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)"
. انتقلت الآيات إلى بيان حكم أن زعموا أن عيسى عليه السلام هو الله تعالى ورد القرآن الكريم عليهم مرتين
. على ما يبدو لم يقتنع أهل الكتاب بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى الآن
. أراد القرآن الكريم أن يؤكد الحقيقة المحمدية
. "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)"
. "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)"
. ظل العالم كله ستمائة سنة على أرجح الأقول في ظلام دامس وحالة سكون واقطاع تام بين السماء والأرض
. بعد مرحلة عيسى عليه السلام انقطعت الرسالات تمامًا
. في وقت كانت تتواصل الرسالات قبل هذا في العصر الواحد يبعث نبي ونبيان وثلاثة
. أراد الله تعالى أن يشوق الدنيا بفترة طويلة يسود فيها الجهل والغفلة والجاهلية حتى أتى نور النبي صلى الله عليه وسلم
. الظلام الذي عشناه قبل قليل ثم أتى النور الذي رأيته الآن
. النور الذي تراه أمامك الآن قبس من نور النبي صلى الله عليه وسلم
. العالم كاه كان يتخبط في ظلام دامس لكن الدنيا كانت على موعد مع الفرصة وكل العالم كان ينتظر شيئًا فريدًا
. لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في خضم الرسالات ما استشعر الناس قيمة النور الذي ملأ الكون كله
. الآية الخامسة عشرة تعتبر تمهيدًا للآية التاسعة عشرة رغم الفارق بينها بآيات أخرى
. "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)"
. لا ينكر مفسر ولا عالم أن قوله تعالى "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُور" هو النبي صلى الله عليه وسلم و " وَكِتَابٌ مُّبِينٌ" هو القرآن الكريم
. الذي حولي الآن هو نور حسي ونور النبي صلى الله عليه وسلم نور حسي
. لو حدثتكم عن نور النبي صلى الله عليه وسلم لن تتحملوا كلامي
. أستجمع ذكرياتي ذات يوم وسأجسد لكم كيف نستشعر النور الحسي؟
. استدعيت ذات مرة كي أشارك في غسيل الكعبة المكرمة في أول عام تشرفت فيه أن أكون في مكة المكرمة
. وذات فجر باسم في غرة ذي الحجة وبدأت إجراءات غسيل الكعبة المشرفة
. الكعبة عندما فتح بابها خرج منها نور عجيب غطى أجواء مكة المكرمة
. كثيرون لم يتحملوا النور المندفع من الكعبة المكرمة فمنهم ممن خر على الأرض ومنهم من سقط ومنهم من بكى بكاءً شديدًا
. وفاحت الكعبة المكرمة بأسرارها وبمسكها وأطايبها
. قلت في نفسي كيف نورك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
. لم يتحمل كثير من الناس هذا المشهد وكان الناس يرمقون بأبصارهم في لحظات لا يتوقعون ماذا سيخرج من الكعبة المشرفة
. عندما فتح باب الكعبة المشرفة كأن أمواج النور خرجت أنوار ساطعة، هذا نور المسبحين، هذا نور المحبين
. ظل النور يخرج من داخل الكعبة المشرفة فترة زمنية طويلة جدًا حتى رأيت الأفق كله نورًا
. مهما طال بك الزمان فأنت الآن يشدك حدث جديد رائع وتشدك أنوار في أنوار
. إنها جزء من نور الله تعالى، إنه النور الحسي الذي تراه بعينك كما تراه بقلبك
. عندما ينقطع الماءعنك ساعة ثم يأتي بعد ساعة لن تستشعر بعده
. عندما ينقطع الماء عنك يومًا ثم يأتي لم بعد يوم تستشعر بالحاجة إليه
. ماذا لو انقطع الماء عنك لمدة أسبوع أو أسبوعين؟
. سترى في الماء الحياة والأمل ورحمة الله تعالى
. هكذا طالت المدة الفاصلة بين عيسى عليه السلام وبين بعثته صلى الله عليه وسلم
6. كان لا بد أن يتميز النبي صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء عليهم السلام بفترة زمنية طويلة
. بحيث عندما تأتي أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يدرك الناسالقادم ليس أمرًا عاديًا
. ولكنه شيء فوق الوصف وفوق العادة
. "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)"
أ.د.أحمد عبده عوض

تسجيل الدخول